سيناريوهات سعر الصرف في مصر بعد صعود الجنيه.. ما الذي ينتظر الدولار في 2026؟
كسر الجنيه المصري منذ مطلع العام الجاري نمطا ظل ملازما له لفترة طويلة، ونجح في تسجيل تحرك صاعد أربك حسابات الأسواق وبدد قدرا من اليقين الذي كان يحيط بمسار سعر الصرف، حيث ارتفعت قيمة الجنيه المصري بنحو 6.5%، وتراجع سعر الدولار من 50.8 جنيه في بداية العام إلى حدود 47.5 جنيه.
صعود الجنيه أمام الدولار في عام 2026، لم يكن مجرد رقم عابر في شاشات التداول، بل إشارة قوية أعادت فتح ملف الجنيه على مصراعيه، وفرضت سؤالا مركزيا يتجاوز لحظة التحسن الراهنة ألا وهو: هل نحن أمام تصحيح هيكلي لمسار العملة، أم أمام موجة مؤقتة سرعان ما تختبر حدودها القصوى؟.
هذا التحسن جاء في توقيت بالغ الحساسية، حيث ما زالت الذاكرة القريبة للأسواق مثقلة بتقلبات حادة وتجارب عنيفة مع سعر الصرف، ما جعل أي تحرك إيجابي يقابل بمزيج من الترحيب والشك، ومن هنا، تحولت أنظار المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية إلى تحليل عمق هذا الصعود، ومدى قدرته على الاستمرار، بدل الاكتفاء بتسجيله كتحسن مرحلي.

سعر الجنيه المصري.. هل هذه قيمته الحقيقية؟
تقديرات جولدمان ساكس تعكس هذا التناقض بوضوح، فالبنك يرى أن الجنيه ما زال مقومًا بأقل من قيمته العادلة بنحو 30%، وهو ما يفسر – من وجهة نظره – قدرة العملة على تسجيل تحسن دون أن يعني ذلك الوصول إلى نقطة التوازن.
إلا أن اللافت في قراءة جولدمان ساكس ليس الحديث عن الفجوة السعرية بقدر ما هو التحفظ الواضح في التوقعات، إذ يستبعد سيناريو الهبوط الحاد للدولار إلى مستويات شديدة الانخفاض مثل 35 جنيهًا، مرجحًا بقاء الجنيه أقل من قيمته بنحو 25% خلال الاثني عشر شهرا المقبلة، وهذه الرؤية تضع التحسن الحالي في إطار “التصحيح الجزئي” لا “التحول الكامل”.
فيتش: مساران متوازيان لسعر الجنيه المصري
مؤسسة فيتش قدمت رؤية أكثر تعقيدا، تقوم على الفصل بين الأجلين القصير والطويل، فعلى المدى القريب، تتوقع فيتش متوسط سعر صرف يدور حول 48.91 جنيه خلال العام الحالي، يعقبه تحسن نسبي في عام 2026 ليقترب من 47.5 جنيه.
غير أن الصورة تتغير جذريا عند الانتقال إلى الأفق الزمني الأطول، حيث ترجح المؤسسة عودة الضغوط تدريجيًا، وصولًا إلى مستوى 55.65 جنيه للدولار بحلول عام 2034، وهذا التباين يعكس قناعة بأن التحسن الحالي قد يجد دعمه في عوامل آنية، لكنه سيصطدم لاحقًا بتحديات هيكلية لم تُحسم بعد.
ستاندرد تشارترد: التحفظ عنوان المرحلة المقبلة
في المقابل، يختار بنك ستاندرد تشارترد التمركز في منطقة الحذر، متوقعا وصول سعر الصرف إلى نحو 54 جنيها للدولار خلال العام المقبل، وهذه القراءة لا تنفي التحسن الأخير، لكنها تتعامل معه باعتباره حركة داخل مسار أوسع لا يزال محفوفًا بالضغوط، ما يعكس تشككا في قدرة الجنيه على الحفاظ طويلا على مستوياته الحالية دون اختبارات قاسية.
هذه شروط استقرار الجنيه
وعلى المستوى المحلي، بدت التقديرات أكثر تنوعا في نبرتها، إي إف جي القابضة تتبنى سيناريو الاستقرار النسبي، مع متوسط متوقع عند 48.04 جنيه خلال العام المالي الحالي، يعقبه ارتفاع محدود إلى 49 جنيهًا في العام المالي التالي.
وفي المقابل، تظهر الأهلي فاروس درجة أعلى من التفاؤل، إذ تتوقع متوسط سعر صرف عند 45 جنيها للدولار في عام 2026، في رهان واضح على استمرار التحسن وقدرة الجنيه على استيعاب الصدمات.

رغم اختلاف السيناريوهات، تتقاطع جميعها عند نقطة واحدة: التحسن ليس مضمونًا بذاته، فاستقرار الجنيه مرهون بتدفقات دولارية مستمرة وقابلة للاستدامة، تشمل تحويلات المصريين بالخارج، وأداء السياحة، وزخم الصادرات، وتعافي إيرادات قناة السويس، إلى جانب بقاء استثمارات الأجانب في أدوات الدين عند مستويات مستقرة، وأي خلل في هذه المسارات قد يعيد العملة سريعًا إلى دائرة الضغوط.
سعر الجنيه أمام اختبار في 2026
في المحصلة، يقف الجنيه المصري اليوم عند مفترق طرق حقيقي، المكاسب الأخيرة أعادت بعض التوازن النفسي للأسواق، لكنها لم تنهي حالة الترقب، وما يحدث الآن قد يكون بداية مسار أكثر هدوءًا واستقرارًا، وقد يكون مجرد استراحة قصيرة في رحلة أطول من التقلبات.
لكن - بحسب خبراء الاقتصاد - الفيصل لن يكون في الأرقام وحدها، بل في قدرة الاقتصاد المصري على تحويل هذا التحسن إلى واقع مستدام، يثبت مع الوقت أن ما جرى لم يكن مفاجأة عابرة، بل تحولا محسوبا في مسار العملة.
