الإثنين 02 نوفمبر 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
تحليل

من القاهرة إلى الخرطوم.. تحالف مصري سوداني يتجاوز حدود التنسيق الدبلوماسي إلى شراكة مائية وأمنية وتنموية

بالوحدة تُهزم التهديدات ونحمي العمق الاستراتيجي.. الخارجية المصرية تتحرك لتحصين الأمن المائي ومواجهة تحديات الجنوب والقرن الإفريقي

الإثنين 02/نوفمبر/2026 - 06:00 م
الخارجية المصرية
الخارجية المصرية تتحرك لتحصين الأمن المائي والعمق الاستراتي

 لم تعد التحركات المصرية تجاه السودان وملفات حوض النيل والبحر الأحمر مجرد لقاءات دبلوماسية تقليدية أو مشاورات بروتوكولية، بل باتت تعكس توجهًا نحو بناء مظلة تعاون إقليمي تتداخل فيها اعتبارات الأمن القومي والمصالح المائية والتنمية وإعادة الإعمار.

 ففي توقيت تتزايد فيه التحديات المحيطة بالجنوب المصري والقرن الإفريقي، جاءت الجولة الثالثة من اجتماعات آلية «2+2» بين وزراء الخارجية والري في مصر والسودان لتؤكد أن القاهرة والخرطوم تتجهان إلى توحيد المواقف، وتوسيع أدوات التحرك المشترك، بما يحمي مصالح البلدين ويحد من تداعيات الأزمات الإقليمية.

وتحمل اجتماعات القاهرة، التي عُقدت الاثنين 2 نوفمبر 2026، دلالات تتجاوز ملف سد النهضة، إذ جمعت بين الدفاع عن الحقوق المائية، ودعم وحدة الدولة السودانية، ورفض عسكرة البحر الأحمر أو المساس بسيادة الدول المشاطئة، إلى جانب إطلاق مشروعات تنموية ومائية داخل السودان. وهي ملفات تكشف عن ارتباط وثيق بين استقرار دولتي المصب وأمن منطقة حوض النيل والبحر الأحمر، وتضع التعاون الثنائي أمام اختبار القدرة على تحويل التوافق السياسي إلى خطوات عملية.

آلية «2+2».. من التنسيق الدبلوماسي إلى توحيد القرار المائي

عكست الجولة الثالثة من اجتماعات آلية «2+2» التشاورية بين مصر والسودان رغبة مشتركة في تطوير مسارات التعاون، حيث ترأس الوفد المصري الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي وشؤون المصريين بالخارج، والدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، بينما ترأس الوفد السوداني محيي الدين سالم، وزير الخارجية والتعاون الدولي، وعصمت قرشي، وزير الزراعة والري.

وجاء الاجتماع تنفيذًا لمخرجات المباحثات التي جمعت رئيسي وزراء البلدين في 26 فبراير 2026، واستكمالًا لمسار التشاور الذي شهدته الجولة الثانية في سبتمبر 2025، بما يؤكد وجود توجه لاستمرار الاجتماعات والزيارات الرسمية رفيعة المستوى، وعدم ترك الملفات المشتركة رهينة التطورات الطارئة.

وتكمن أهمية هذه الآلية في أنها تجمع المسؤولين المعنيين بملفي السياسة والمياه على طاولة واحدة، وهو ما يتيح الربط بين الرؤية الدبلوماسية والاحتياجات الفنية، خصوصًا في قضية نهر النيل التي تتداخل فيها الاعتبارات القانونية والهيدرولوجية والتنموية. فالتنسيق بين وزارتي الخارجية والري يمنح الموقف المشترك مساحة أوسع للتحرك في المحافل الإقليمية والدولية، كما يساعد على صياغة رؤية موحدة تجاه التطورات التي تمس حقوق البلدين.

ولم يقتصر جدول الأعمال على الملفات الفنية، بل امتد إلى العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والإنسانية، مع تأكيد وحدة المصير والروابط التاريخية بين شعبي وادي النيل، ورفض محاولات بث الخلافات أو الإضرار بالعلاقات المصرية السودانية.

سد النهضة.. الأمن المائي خط أحمر مشترك

يتصدر ملف سد النهضة الإثيوبي قائمة التحديات التي دفعت القاهرة والخرطوم إلى تأكيد ترابط أمنهما المائي، حيث شدد الجانبان على أن حقوق واستخدامات البلدين المائية تمثل مصالح مشتركة لا يمكن التعامل معها بصورة منفصلة، مؤكدين ضرورة الحفاظ عليها وفق اتفاقية 1959.

ويأتي هذا الموقف في ظل استمرار الخلاف بشأن الإدارة الأحادية للسد، وغياب آلية قانونية ملزمة تنظم حوكمته، بحسب ما ورد في البيان المشترك للاجتماعات. واعتبر الطرفان أن التحركات الإثيوبية الأحادية في حوض النيل الشرقي تترتب عليها آثار جسيمة، وتمثل تهديدًا مستمرًا لدولتي المصب، مطالبين أديس أبابا بتغيير نهجها والعودة إلى التعاون وفق قواعد القانون الدولي.

وتتمثل الرسالة المصرية السودانية الأساسية في أن إدارة الموارد المائية العابرة للحدود لا ينبغي أن تقوم على القرارات المنفردة، بل على التشاور والإخطار المسبق والتوافق ومراعاة مبدأ عدم الإضرار. فهذه المبادئ، وفق الرؤية التي أعلنها الجانبان، تمثل أساسًا لتقليل المخاطر وضمان استدامة نهر النيل، مع مراعاة حق دول الحوض في التنمية دون الإضرار بحقوق الدول الأخرى.

وفي هذا السياق، أكد الطرفان أهمية دور الهيئة الفنية الدائمة المشتركة لمياه النيل، باعتبارها إطارًا فنيًا لتنسيق الرؤى وصياغة المواقف الموحدة بشأن الشؤون المتعلقة بالنهر. كما شددا على ضرورة دعم الهيئة فنيًا ولوجستيًا وانتظام عملها، بما يعزز قدرتها على أداء مهامها.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأنها تنقل التنسيق من مستوى التصريحات السياسية إلى مستوى العمل الفني المستمر، بما يساعد على متابعة الملفات المائية وتقييم التطورات وصياغة مواقف تستند إلى الدراسات والبيانات.

القاهرة والخرطوم.. رفض توسيع الخلاف وإقحام دول الحوض

ومن النقاط اللافتة في البيان المشترك تأكيد مصر والسودان أن قضية السد الإثيوبي تخص دول حوض النيل الشرقي الثلاث، وهي مصر والسودان وإثيوبيا، مع رفض محاولة إقحام بقية دول حوض النيل في هذا الملف.

ولا يعني هذا الموقف رفض التعاون مع دول الحوض، بل يميز بين العلاقات التنموية والتعاون المائي العام من جهة، والملف الخاص بإدارة السد وآثاره على دولتي المصب من جهة أخرى. فقد أكد الجانبان أن علاقاتهما مع شعوب دول الحوض، ومنها الشعب الإثيوبي، تقوم على الروابط التاريخية والرغبة في التعاون وتحقيق المنفعة المتبادلة.

كما ثمنا المواقف الأفريقية المتفهمة لحق دولتي المصب في الدفاع عن مصالح شعبيهما المائية، مع التأكيد على أن التنمية داخل القارة لا ينبغي أن تتحول إلى مصدر للتوتر أو الإضرار بحقوق الآخرين.

مبادرة حوض النيل.. معركة استعادة التوافق الأفريقي

يمتد التحرك المصري السوداني إلى مستقبل مبادرة حوض النيل، التي تمثل منصة للتعاون بين دول المنطقة. فقد شدد الجانبان على ضرورة الحفاظ على قواعدها التوافقية، والعمل على استعادة الشمولية بمشاركة جميع دول الحوض، باعتبار أن التعاون المستدام لا يتحقق من خلال استبعاد بعض الأطراف أو اتخاذ قرارات منفردة.

ورحب الطرفان بالتقرير المقدم إلى المجلس الوزاري للمبادرة في ديسمبر 2025، بشأن استكمال العملية التشاورية مع الدول غير الأطراف في الاتفاق الإطاري التعاوني، بما يشمل بحث تعديل وتطوير الاتفاق لمراعاة شواغل مختلف الأطراف.

كما ثمنا دور اللجنة المصغرة بقيادة أوغندا وعضوية رواندا وجنوب السودان، في دعم المسار التشاوري، وأكدا أهمية الوصول إلى مفوضية شاملة تمثل جميع دول حوض النيل.

وتكشف هذه التحركات عن أن القاهرة والخرطوم لا تحصران تعاونهما في الاعتراض على الإجراءات الأحادية، وإنما تطرحان مسارًا بديلًا يقوم على الحوار والتوافق والمؤسسات المشتركة، بما يحافظ على فرص التنمية ويحد من احتمالات الانقسام داخل المنظومة المائية الأفريقية.

السودان.. استقرار الدولة جزء من معادلة الأمن المصري

لا ينفصل ملف المياه عن تطورات الأوضاع في السودان، إذ أكدت مصر خلال الاجتماعات ارتباط الأمن القومي المصري والسوداني، وتمسكها بوحدة الأراضي السودانية وسلامة مؤسسات الدولة، ورفضها القاطع لإنشاء كيانات موازية أو الاعتراف بها.

وشددت القاهرة على دعم الشعب السوداني ومؤسساته الوطنية، مع الإشارة إلى بيان رئاسة الجمهورية الصادر في 18 ديسمبر 2025، الذي أكد الارتباط المباشر بين الأمن القومي للبلدين، والحفاظ على وحدة السودان وعدم العبث بمقدراته.

كما أعلنت مصر استعدادها لاتخاذ التدابير والإجراءات التي يكفلها القانون الدولي واتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين، في إطار الحفاظ على الخطوط الحمراء المرتبطة بوحدة السودان وسلامة أراضيه.

وتتضح أهمية هذا الموقف بالنظر إلى أن استمرار الأزمة السودانية ينعكس على الاستقرار الإقليمي، ويؤثر في قدرة مؤسسات الدولة على إدارة الموارد والبنية الأساسية وتقديم الخدمات. ومن ثم، فإن دعم استقرار السودان لا يمثل ملفًا منفصلًا عن المصالح المصرية، بل يرتبط بجملة من الاعتبارات السياسية والأمنية والاقتصادية والمائية.

كما أدان الجانبان استهداف البنية التحتية السودانية، خاصة محطات الكهرباء والمنشآت المائية، باستخدام طائرات مسيرة قال البيان إنها أُطلقت من إحدى دول الجوار. وأكدا ضرورة احترام سيادة السودان ووحدة أراضيه ودعم مؤسساته الوطنية، وفي مقدمتها القوات المسلحة السودانية، في أداء مهامها المتعلقة بالحفاظ على الأمن القومي.

مذكرة تفاهم ومشروعات مائية.. من المواقف السياسية إلى التنفيذ

ومن أبرز نتائج الاجتماعات الانتقال من التنسيق السياسي إلى خطوات تنفيذية، تمثلت في توقيع مذكرة تفاهم بين حكومتي مصر والسودان لتنفيذ مشروعات تنموية في مجال الموارد المائية داخل السودان.

وشهد مراسم التوقيع بدر عبد العاطي ومحيي الدين سالم، فيما وقع المذكرة هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري المصري، وعصمت قرشي، وزير الزراعة والري السوداني.

وتأتي المذكرة في إطار التعاون بين الوزارتين، من خلال المبادرة المصرية لتنمية دول حوض النيل، التي تشرف عليها الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية بوزارة الخارجية، وتعكس توجهًا لدعم جهود إعادة الإعمار وتحسين البنية الأساسية المرتبطة بالمياه.

وتشمل المشروعات إعادة تأهيل المنشآت المائية التي تضررت جراء الحرب، وتنفيذ أعمال للحماية من الفيضانات وحصاد مياه الأمطار، وإنشاء محطات لمياه الشرب تعمل بالطاقة الشمسية، إلى جانب برامج التدريب وبناء القدرات.

وتحمل هذه المشروعات أهمية تتجاوز الجانب الفني، إذ ترتبط بتوفير احتياجات السكان الأساسية، وتعزيز قدرة المؤسسات السودانية على إدارة الموارد المائية، وتقليل آثار الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية. كما أن الاعتماد على محطات تعمل بالطاقة الشمسية يفتح مجالًا لتوفير حلول مناسبة للمناطق التي تحتاج إلى خدمات مياه أكثر استقرارًا.

وثمن الجانب السوداني المبادرة المصرية لتقييم الأضرار التي لحقت بخزان جبل أولياء، ومواصلة الخبراء المصريين أعمال الصيانة بالتعاون مع وزارة الزراعة والري السودانية، فيما أكد الجانب المصري دعمه لجهود حكومة السودان في التعافي وإعادة الإعمار بمختلف القطاعات.

البحر الأحمر والقرن الأفريقي.. أمن الممرات مسؤولية الدول المشاطئة

لم تتوقف مباحثات القاهرة عند نهر النيل، بل امتدت إلى البحر الأحمر، باعتباره أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية، والمرتبط بحركة التجارة الدولية وأمن المنطقة المحيطة به.

وأكد الجانبان ضرورة احترام حرية الملاحة وفق قواعد القانون الدولي، وشددا على أن مسؤولية حوكمة البحر الأحمر تقع على عاتق الدول المشاطئة له. كما رفضا أي نفاذ بحري لدول غير مشاطئة على حساب سيادة الدول المطلة عليه ووحدة أراضيها وسلامة موانيها.

ويعكس هذا الموقف اهتمام القاهرة والخرطوم بمنع تحويل الأزمات الإقليمية إلى مدخل لإجراءات أحادية أو ترتيبات تمس سيادة دول المنطقة، فضلًا عن رفض استغلال التوترات لتوسيع الوجود العسكري أو عسكرة الممرات البحرية.

وتكتسب هذه القضية أهمية في ضوء التداخل الجغرافي والاستراتيجي بين البحر الأحمر والقرن الأفريقي وحوض النيل، حيث يمكن لأي اضطراب في أحد هذه المسارات أن ينعكس على المصالح الأمنية والاقتصادية للدول المجاورة.

ومن هنا، فإن التنسيق المصري السوداني بشأن البحر الأحمر يمثل امتدادًا طبيعيًا للتعاون في ملف النيل، ويؤكد أن الرؤية المشتركة لا تقتصر على حماية الموارد المائية، وإنما تشمل أيضًا احترام السيادة الوطنية وتأمين المصالح البحرية للدول المشاطئة.

التعاون الأفريقي والعربي.. توسيع دائرة الشراكات

وفي إطار التحرك الإقليمي، أكد الجانبان أهمية مواصلة المشاركة في جهود التعاون المائي الأفريقي والعربي، مع الإشارة إلى دور مجلس وزراء المياه الأفارقة والمجلس الوزاري العربي للمياه.

رؤية إفريقيا 2063 - ويكيبيديا

كما أكدا الرغبة في دعم تنفيذ رؤية أفريقيا للمياه 2063 والاستراتيجية العربية للأمن المائي، بما يفتح المجال أمام شراكات أوسع في مجالات إدارة الموارد وتحسين البنية التحتية وبناء القدرات.

وثمن الجانب السوداني استضافة مصر النسخة التاسعة من أسبوع القاهرة الدولي للمياه في أكتوبر 2026، تحت شعار «المياه كعامل محفز للسلام والازدهار المشترك وكوكب مستدام»، وما تضمنته من مبادرات وشراكات لدعم التعاون الإقليمي والدولي.

ورحب الجانب المصري كذلك بطلب السودان تلبية الاحتياجات التدريبية العاجلة لكوادر وزارة الزراعة والري، بما يدعم التعافي المؤسسي لقطاعات المياه والري ويساعد في تنفيذ مشروعات إعادة الإعمار.

وحدة المواقف.. اختبار تحويل التوافق إلى نتائج ملموسة

تكشف مخرجات الجولة الثالثة من آلية «2+2» عن اتساع نطاق الشراكة المصرية السودانية، من الدفاع عن الحقوق المائية إلى دعم استقرار السودان وإعادة بناء منشآته المتضررة، وصولًا إلى التنسيق بشأن أمن البحر الأحمر والتعاون داخل المؤسسات الأفريقية والعربية.

وتبقى أهمية هذه التحركات مرتبطة بقدرة البلدين على مواصلة التنسيق الفني والدبلوماسي، وتنفيذ مشروعات مذكرة التفاهم، وتطوير التعاون مع دول حوض النيل، إلى جانب دعم المؤسسات السودانية وتعزيز الاستقرار.

فالرهان لم يعد مقتصرًا على توحيد التصريحات أو إعلان المواقف، وإنما يمتد إلى بناء آليات عمل مستمرة تحول المصالح المشتركة إلى مشروعات ونتائج قابلة للقياس. وفي منطقة تتشابك فيها تحديات المياه والأمن والسياسة والتنمية، تبدو الشراكة المصرية السودانية إحدى الأدوات الرئيسية للتعامل مع هذه الملفات، على أساس أن حماية المصالح المشتركة تبدأ بتنسيق المواقف، وتكتمل بالتعاون والتنفيذ واحترام قواعد القانون الدولي.