الجمعة 25 سبتمبر 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
تحليل

الفائدة إلى أين؟ البنوك المركزية بين التضخم ومخاطر تباطؤ الاقتصاد

الجمعة 25/سبتمبر/2026 - 09:50 ص
 البنوك المركزية
البنوك المركزية

بعد فترة طويلة من الرهان على خفض أسعار الفائدة، دخل المشهد النقدي العالمي مرحلة أكثر تعقيدًا، مع عودة التضخم إلى واجهة المخاطر، مدفوعًا بارتفاع أسعار الطاقة واستمرار التوترات الجيوسياسية، في وقت أظهرت فيه اقتصادات كبرى قدرة على الصمود بأكثر مما كان متوقعًا.

ولم يعد السؤال الرئيسي أمام الأسواق هو ما إذا كانت البنوك المركزية سترفع الفائدة فقط، وإنما إلى أي مستوى يمكن أن تصل، ومتى يتحول التشديد النقدي من أداة لمواجهة التضخم إلى عامل يزيد الضغوط على النمو والائتمان والأسواق؟

وتأتي هذه التساؤلات في أعقاب تحركات متزامنة من عدد من البنوك المركزية الكبرى، إذ رفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي سعر الفائدة 25 نقطة أساس في سبتمبر إلى نطاق 3.75% و4%، في أول زيادة له منذ ثلاث سنوات، بينما رفع البنك المركزي الأوروبي معدلات الفائدة الرئيسية 25 نقطة أساس، لتصل فائدة الإيداع إلى 2.50%.

وفي اليابان، أصبح سعر الفائدة عند نحو 1.25%، وفق أحدث توجيهات بنك اليابان في سبتمبر، وهو أعلى مستوى في عقود.

أما بنك إنجلترا، فأبقى الفائدة عند 3.75% في سبتمبر، لكن القرار جاء بأغلبية 6 أعضاء مقابل 3، إذ صوت ثلاثة أعضاء لصالح رفعها إلى 4%، في ظل ارتفاع التضخم البريطاني إلى 3.1% في أغسطس.

لماذا عاد رفع الفائدة إلى الواجهة؟

حتى وقت قريب، كانت الأسواق تراهن على أن المرحلة التالية من السياسة النقدية العالمية ستكون مرتبطة بخفض أسعار الفائدة، بعد انحسار موجة التضخم التي أعقبت جائحة كورونا.

لكن المعادلة تغيرت مع عودة صدمات الطاقة والضغوط الجيوسياسية، بالتزامن مع استمرار التضخم فوق المستويات المستهدفة في عدد من الاقتصادات.

وفي منطقة اليورو، يتوقع البنك المركزي الأوروبي أن يبلغ متوسط التضخم 3% خلال 2026، قبل أن يتراجع إلى 2.5% في 2027 و2.1% في 2028، وفي الوقت نفسه، رفع البنك توقعاته لنمو اقتصاد المنطقة إلى 0.9% في 2026 و1.4% في 2027، ما يعكس مرونة أكبر من المتوقع أمام صدمة الطاقة.

وفي بريطانيا، قال بنك إنجلترا إن ارتفاع أسعار الطاقة المرتبط بالتوترات في الشرق الأوسط قد يدفع التضخم إلى مزيد من الارتفاع، مشيرًا إلى أن استمرار أسعار الطاقة المرتفعة يزيد مخاطر تحول التضخم إلى ضغوط أكثر استدامة.

هل يمكن أن تعود الفائدة الأمريكية إلى 5%؟

يطرح هذا السيناريو نفسه بقوة في الأسواق، لكنه ليس توقعًا مؤكدًا، بل احتمال يرتبط بمسار التضخم وأسعار الطاقة والنمو وسوق العمل.

وتشير تقديرات نقلتها تقارير اقتصادية إلى أن الأسواق ترى إمكانية إجراء زيادات إضافية في الفائدة الأمريكية خلال الفترة المقبلة، بما قد يدفع النطاق إلى 4.50% و4.75% إذا استمر التضخم مرتفعًا. كما أن بعض الاستراتيجيين، ومن بينهم محللون لدى بنك أوف أمريكا، يتبنون رؤية أكثر تشددًا بشأن مسار الفائدة.

لكن الوصول إلى 5% سيكون سيناريو مختلفًا، لأن كل زيادة إضافية تعني تشديدًا أكبر للأوضاع المالية، وارتفاع تكلفة خدمة الديون، وضغوطًا على الاستهلاك والاستثمار وأسواق الأصول.

وبعبارة أخرى، كلما اقتربت الفائدة من مستويات مرتفعة، ارتفعت تكلفة الخطأ في السياسة النقدية.

3 عوامل تدفع البنوك المركزية إلى التشديد

1. التضخم لا يزال فوق المستهدف

رغم تراجع التضخم مقارنة بذروة موجته السابقة، فإنه لا يزال أعلى من المستويات التي تستهدفها البنوك المركزية.

وفي منطقة اليورو، تشير توقعات البنك المركزي الأوروبي إلى تضخم يبلغ 3% في 2026، بينما يستهدف البنك استقرار التضخم عند 2% على المدى المتوسط.

أما في بريطانيا، فقد بلغ التضخم 3.1% في أغسطس، مقابل هدف يبلغ 2%.

وفي الولايات المتحدة، أكد الاحتياطي الفيدرالي في سبتمبر أن التضخم لا يزال مرتفعًا، رغم قوة النشاط الاقتصادي واستمرار الإنفاق المحلي.

2. الطاقة قد تحول التضخم المؤقت إلى ضغوط أكثر استدامة

ارتفاع أسعار النفط لا ينعكس فقط على تكلفة الوقود، وإنما يمتد تأثيره إلى النقل والإنتاج والخدمات والغذاء.

وتزداد المخاطر إذا استمرت أسعار الطاقة المرتفعة لفترة طويلة، لأنها قد تؤدي إلى انتقال الضغوط إلى الأجور والأسعار، وهو ما يفرض على البنوك المركزية مراقبة ما يسمى بالتأثيرات الثانوية للتضخم.

وقد أشار بنك إنجلترا تحديدًا إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة لفترة أطول يزيد مخاطر تحول صدمة الطاقة إلى تضخم أكثر استدامة.

3. الاقتصادات الكبرى لم تدخل ركودًا عميقًا

رفع الفائدة يصبح أكثر صعوبة عندما يكون الاقتصاد في حالة ركود حاد، لكن الصورة الحالية أكثر تعقيدًا.

فالبنك المركزي الأوروبي يرى أن اقتصاد منطقة اليورو أظهر مرونة أكبر من المتوقع، مع دعم من الطلب المحلي وسوق العمل والاستثمار العام والاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وفي الولايات المتحدة، وصف الاحتياطي الفيدرالي النشاط الاقتصادي بأنه يتوسع بوتيرة قوية، مع صمود الإنفاق المحلي وقوة نمو الإنتاجية والاستثمار.

إلى أين يمكن أن تصل الفائدة؟

لا توجد نسبة واحدة يمكن اعتبارها نقطة توقف تلقائية للبنوك المركزية.

فالمستوى النهائي للفائدة يعتمد على مجموعة من المتغيرات، من بينها التضخم الأساسي، وأسعار الطاقة، وسوق العمل، والنمو، والائتمان، وتوقعات التضخم، إلى جانب ما يعرف بسعر الفائدة المحايد.

ولهذا يمكن تصور عدة مسارات خلال الفترة المقبلة:

إذا هدأت أسعار الطاقة: قد تتوقف البنوك المركزية عن رفع الفائدة بعد زيادات محدودة، وتدخل مرحلة انتظار لمراقبة تأثير القرارات السابقة.

إذا استمر التضخم مرتفعًا: قد تتجه بعض البنوك إلى زيادات إضافية، غالبًا بواقع 25 نقطة أساس، بحسب البيانات الاقتصادية لكل اجتماع.

إذا حدثت صدمة تضخمية قوية ومستمرة: يصبح سيناريو الفائدة الأمريكية عند مستويات أعلى من 5% أكثر قابلية للنقاش، لكنه يظل مشروطًا بمسار التضخم والنشاط الاقتصادي.

إذا تباطأ الاقتصاد بسرعة: قد تتوقف دورة رفع الفائدة قبل الوصول إلى تلك المستويات، حتى مع بقاء التضخم فوق الهدف، لتجنب زيادة الضغوط على سوق العمل والائتمان.

الفائدة المرتفعة.. تكلفة مواجهة التضخم

تكمن المعضلة الأساسية في أن أسعار الفائدة لا تستطيع خفض أسعار النفط أو إنهاء الصدمات الجيوسياسية بصورة مباشرة، لكنها تستطيع التأثير في الطلب المحلي وظروف التمويل والتوقعات التضخمية.

وهنا تواجه البنوك المركزية معادلة صعبة: رفع الفائدة بدرجة تكفي لمنع التضخم من التحول إلى ظاهرة مستدامة، من دون تشديد الأوضاع المالية إلى مستوى يضر بالنمو وسوق العمل والاستثمار.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد فقط: هل سترتفع الفائدة؟

بل أصبح: ما المستوى الذي يمكن للاقتصاد تحمله قبل أن تتحول مكافحة التضخم إلى مصدر جديد للضغط على النمو والأسواق؟

والإجابة ستظل مرتبطة بما ستفعله أسعار الطاقة، وكيف سيتطور التضخم، ومدى قدرة الاقتصادات الكبرى على الحفاظ على النمو خلال الفترة المقبلة.