ترامب أمام اختبار الصين.. 5 ملفات تحدد شكل المواجهة مع شي جين بينج
تتجه الأنظار إلى واشنطن مع اقتراب اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينج في 24 سبتمبر، في قمة تأتي بينما تحاول أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم إدارة علاقة أصبحت أكثر تعقيدا من مجرد خلاف تجاري.
وتأتي المحادثات في وقت يستعد فيه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت ونائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ لجولة مباحثات في نيويورك يوم 20 سبتمبر، تتناول التجارة والذكاء الاصطناعي والمعادن الحيوية وقضايا اقتصادية أوسع، بما يؤكد أن الملفات التي ستصل إلى طاولة ترامب وشي لم تعد منفصلة عن بعضها، وإنما أصبحت مترابطة داخل منافسة اقتصادية وتكنولوجية واسعة.
وبحسب المعطيات المطروحة قبل القمة، فإن الهدف المباشر ليس بالضرورة إعادة صياغة العلاقة الأميركية الصينية بالكامل، وإنما منع انتقال الخلافات القائمة إلى جولة جديدة من التصعيد، خصوصا أن الهدنة التجارية الحالية تواجه موعدا حاسما مع اقتراب انتهاء أجلها في نوفمبر.
وهنا تظهر أهمية ترامب تحديدا؛ فالرئيس الأميركي يدخل الاجتماع وهو يحمل مجموعة من المطالب الاقتصادية والتكنولوجية، بينما تتحرك بكين في الاتجاه المقابل للحفاظ على مساحة أكبر أمام صادراتها وقدرتها على الوصول إلى التكنولوجيا والأسواق الأميركية.
الهدنة التجارية.. هل تستمر التهدئة؟
يأتي ملف الرسوم الجمركية في مقدمة الملفات التي ستفرض نفسها على المحادثات.
فالولايات المتحدة والصين تحاولان خلال الفترة الحالية الحفاظ على التهدئة التجارية، لكن الهدنة لا تعني انتهاء الخلاف. وبحسب رويترز، من بين الملفات المطروحة تمديد الهدنة، وإمكانية زيادة المشتريات الصينية من السلع الأميركية، بما فيها المنتجات الزراعية وطائرات بوينج، في مقابل بحث بكين عن تخفيف بعض القيود التكنولوجية المفروضة عليها.
وتكمن صعوبة الملف في أن ترامب لا يتعامل مع الرسوم الجمركية باعتبارها مجرد أداة مالية، وإنما تستخدمها الإدارة الأميركية ضمن منظومة أوسع من الضغط التجاري وإعادة ترتيب سلاسل الإمداد.
وفي المقابل، تمتلك الصين أدوات ضغطها الخاصة، خصوصا في المجالات التي تعتمد فيها الشركات الغربية على الإنتاج أو المواد الخام الصينية.
ومن هنا، فإن أي اتفاق جديد بين ترامب وشي لن يقاس فقط بحجم الرسوم التي يمكن خفضها، وإنما بما إذا كان الطرفان قادرين على تثبيت قواعد جديدة تمنع عودة التصعيد بمجرد انتهاء الهدنة.
المعادن النادرة.. ورقة الصين في مواجهة ترامب
إذا كان ملف الرسوم هو العنوان التقليدي للحرب التجارية، فإن المعادن النادرة تمثل واحدة من أكثر أوراق الضغط حساسية في المرحلة الحالية.
وتطالب واشنطن بكين بتحسين تدفق المعادن الحيوية، بينما ما زالت الشركات الأميركية تواجه صعوبات مرتبطة بالحصول على بعض المواد الضرورية للصناعات التكنولوجية والدفاعية.
وتزداد أهمية هذه الورقة لأن المعادن النادرة تدخل في قطاعات واسعة، من الإلكترونيات والسيارات الكهربائية إلى الصناعات الدفاعية والطاقة والتكنولوجيا المتقدمة.
وتكشف التطورات الأخيرة أن القضية لا تتعلق فقط بالتجارة، بل بالأمن الاقتصادي وسلاسل الإمداد. فقد أفادت رويترز بأن مجموعة الصين للعناصر الأرضية النادرة تجري محادثات لشراء حصة شركة صينية تملك نحو 3% من شركة أميركية متخصصة في المعادن النادرة، في خطوة قد تزيد من حضور بكين في هذا القطاع الاستراتيجي إذا اكتملت.
كما أصبحت عناصر مثل الإيتريوم، الذي يستخدم في تطبيقات متقدمة تشمل أشباه الموصلات والطيران وطلاءات محركات الطائرات، جزءا من التنافس الجيوسياسي بسبب ثقل الصين في سلسلة إمداده.
وبالتالي، فإن ترامب لا يفاوض الصين على سلعة واحدة، وإنما على جزء من البنية التي تقوم عليها الصناعات الأميركية الحديثة.
الذكاء الاصطناعي.. الحرب الجديدة بين واشنطن وبكين
الملف الثاني الذي يزداد أهمية هو الذكاء الاصطناعي.
فالولايات المتحدة والصين أصبحتا في قلب المنافسة العالمية على تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، بينما تحاول واشنطن الحد من وصول الصين إلى بعض التقنيات المتقدمة، وتسعى بكين في المقابل إلى تقليل اعتمادها على التكنولوجيا الأجنبية.
وتزامنا مع قمة ترامب وشي، تستعد المحادثات الاقتصادية الأميركية الصينية لمناقشة قواعد مرتبطة بأمن الذكاء الاصطناعي، وهو تحول مهم لأن التكنولوجيا لم تعد ملفا تجاريا منفصلا، بل أصبحت جزءا من المنافسة الاستراتيجية بين البلدين.
وفي الأيام الأخيرة، زاد ترامب من تركيزه على ملف الذكاء الاصطناعي، إذ أعلن عزمه تعيين مسؤول جديد لهذا الملف وإنشاء قوة متخصصة لمتابعة تطوير التكنولوجيا، في وقت يؤكد فيه أن الولايات المتحدة تريد الحفاظ على موقعها المتقدم في المنافسة مع الصين.
وفي المقابل، أظهرت الصين مؤشرات على استمرار تقدمها في بعض مجالات أشباه الموصلات؛ إذ أعلنت شركة CXMT الصينية دخول منصة جديدة لإنتاج ذاكرة DRAM مرحلة الإنتاج الكمي، في تطور يعكس استمرار جهود بكين لتقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية.
وهكذا يصبح اجتماع ترامب وشي أيضا اجتماعا حول مستقبل التكنولوجيا، وليس فقط حول حجم الرسوم الجمركية.
من يملك أوراق الضغط؟
تكشف الملفات المطروحة أن كل طرف يدخل المحادثات بأدوات ضغط مختلفة.
تمتلك الولايات المتحدة سوقا ضخمة، إلى جانب التكنولوجيا المتقدمة والقدرة على فرض قيود تجارية وتكنولوجية على الشركات والسلع الصينية.
وفي المقابل، تمتلك الصين قاعدة صناعية واسعة، وحضورا كبيرا في سلاسل الإمداد العالمية، إضافة إلى موقع قوي في قطاعات المعادن النادرة وبعض مكونات الصناعات التكنولوجية.
ولهذا فإن العلاقة بين ترامب وشي تقوم على معادلة شديدة التعقيد: كل طرف يستطيع الضغط على الآخر، لكن التصعيد الكامل يحمل أيضا تكلفة على الطرفين.
وهذه النقطة تحديدا تفسر اتجاه المفاوضات الحالية نحو ما يمكن وصفه بإدارة الخلاف بدلا من حسمه.
الزراعة والطاقة.. ملفات تبحث عن مساحة في الاتفاق
لا تتوقف المصالح الأميركية عند التكنولوجيا والمعادن.
فالزراعة الأميركية تبحث عن سوق صيني واسع، بينما تمثل مشتريات الصين من المنتجات الزراعية إحدى الأدوات التي يمكن أن تستخدم في أي تفاهم تجاري جديد.
وتشير بيانات نقلتها رويترز إلى أن الصين تتجه للوفاء بالتزام بشراء 25 مليون طن متري سنويا من المنتجات الزراعية الأميركية حتى عام 2028، بينما توجد أيضا مباحثات بشأن واردات زراعية إضافية بقيمة 17 مليار دولار، في ظل استمرار تعقيدات الرسوم المفروضة على بعض السلع.
كما تبرز الطاقة ضمن الملفات المطروحة، مع بحث إمكانية استئناف بعض صادرات النفط والغاز الأميركية إلى الصين، بعدما توقفت تدفقات معينة نتيجة الرسوم التجارية.
وهذا يوضح أن أي تفاهم بين ترامب وشي يمكن أن يتوزع على مجموعة قطاعات، بحيث يقدم كل طرف تنازلا محدودا في ملف مقابل مكسب في ملف آخر.
أوروبا تراقب ما يفعله ترامب مع الصين
ولا تقتصر أهمية القمة على واشنطن وبكين.
الاتحاد الأوروبي يراقب نتائج المحادثات عن كثب، خصوصا أنه يستعد بدوره لمحادثات مع الصين في أوائل أكتوبر، وسط ضغوط أوروبية للحصول على نتائج ملموسة من بكين وتجنب انتقال التوتر التجاري إلى إجراءات مضادة جديدة.
وهنا تظهر نتيجة أخرى للمفاوضات الأميركية الصينية: أي تغيير في الرسوم أو قواعد التجارة أو القيود التكنولوجية يمكن أن يؤثر على الشركات الأوروبية وسلاسل الإمداد العالمية، وبالتالي فإن أوروبا لن تتعامل مع مخرجات قمة ترامب وشي باعتبارها شأنا ثنائيا فقط.
إيران وتايوان.. الملفات التي يمكن أن تعقد الحسابات
وراء الملفات الاقتصادية توجد قضايا سياسية وأمنية أكثر حساسية.
وتشير التقارير الخاصة بالقمة إلى أن تايوان والعلاقات الصينية مع إيران والذكاء الاصطناعي والتجارة والقيود على تصدير بعض المواد ستكون ضمن الملفات التي يمكن أن تفرض نفسها على النقاشات.
وتحمل تايوان تحديدا حساسية استثنائية بالنسبة إلى بكين وواشنطن، ولذلك فإن أي إشارة بشأنها يمكن أن تؤثر على أجواء المحادثات الاقتصادية نفسها.
كما تدخل علاقة الصين بإيران ضمن المشهد الأوسع، في ظل الحرب الجارية في المنطقة والضغوط الأميركية المتعلقة بالتجارة والعقوبات.
لكن إدراج هذه الملفات على جدول المحادثات لا يعني بالضرورة التوصل إلى تفاهمات شاملة بشأنها، إذ إن لكل منها حساباته السياسية والأمنية المستقلة.
ماذا تريد واشنطن وماذا تريد بكين؟
يمكن قراءة المفاوضات المقبلة باعتبارها محاولة من الطرفين لتحقيق مجموعة من الأهداف المتوازية.
بالنسبة إلى إدارة ترامب، تظهر ملفات زيادة المشتريات الصينية من السلع الأميركية، وتحسين تدفق المعادن الحيوية، والتعامل مع القيود التكنولوجية، والحفاظ على شروط تجارية تراها واشنطن أكثر ملاءمة، ضمن أبرز الأولويات التي تناقشها المفاوضات.
أما بكين، فتسعى إلى استمرار التهدئة التجارية، والحصول على مساحة أكبر في مجال التكنولوجيا، وتقليل القيود التي تعوق شركاتها، مع الحفاظ في الوقت نفسه على أدواتها في سلاسل الإمداد الحيوية.
ومن هنا، فإن التفاوض لا يدور حول سؤال واحد من نوع: من يرفع الرسوم ومن يخفضها؟ وإنما حول إعادة توزيع أوراق القوة الاقتصادية بين البلدين.
قمة ترامب وشي.. تهدئة أم جولة جديدة من الصراع؟
المؤشرات الحالية تضع القمة أمام سيناريو أكثر تعقيدا من مجرد إعلان اتفاق تجاري.
فالولايات المتحدة والصين لديهما مصلحة في منع الانفجار التجاري، لكن الخلافات الأساسية لم تختف. كما أن المنافسة على التكنولوجيا والمعادن النادرة وسلاسل الإمداد أصبحت مرتبطة بالأمن الاقتصادي لكل دولة.
ولهذا تذهب بعض التحليلات إلى أن النتيجة الأكثر واقعية للمحادثات قد تكون تثبيت مستوى من الاستقرار وإدارة نقاط الخلاف، بدلا من إنهاء المنافسة الأميركية الصينية. ويشير تحليل نشره المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن التوقعات تدور حول محاولة تثبيت التهدئة الهشة أكثر من إحداث إعادة ضبط شاملة للعلاقة.
وبالنسبة إلى ترامب، ستكون القمة اختبارا لقدرة الإدارة الأميركية على الجمع بين الضغط على الصين والحفاظ على قنوات التفاوض مفتوحة.
أما بالنسبة إلى شي، فالتحدي يتمثل في حماية المصالح الاقتصادية والتكنولوجية الصينية مع تجنب عودة الحرب التجارية إلى مستوى يهدد التجارة وسلاسل الإمداد.
وفي النهاية، لن يكون معيار أهمية قمة ترامب وشي هو عدد العناوين التي ستصدر عقب اللقاء، وإنما طبيعة الالتزامات التي يستطيع الطرفان تحويلها إلى إجراءات فعلية في التجارة والتكنولوجيا والمعادن النادرة والزراعة والطاقة. فهذه الملفات هي التي ستحدد ما إذا كانت واشنطن وبكين تتجهان نحو مرحلة جديدة من التهدئة المنظمة، أم أن المنافسة ستعود تدريجيا إلى الواجهة بعد انتهاء مفعول الهدنة الحالية.
