أزمة صناديق الاستثمار في تركيا.. 350 ألف مستثمر أمام تصفية 131 صندوقًا
تحولت صناديق الاستثمار التركية الي تحقيق عوائد استثنائية خلال السنوات الماضية إلى بؤرة أزمة مالية، بعدما أدت موجة سحب واسعة للأموال إلى انهيار أسعار عدد من الأسهم وتزايد ضغوط السيولة على شركات إدارة الأصول.
وأصدرت هيئة أسواق المال التركية قرارات بتصفية 131 صندوقًا تديرها 7 شركات، في محاولة لاحتواء تداعيات الأزمة ومنع امتدادها إلى نطاق أوسع من السوق.
وتأتي هذه التطورات بعدما سحب المستثمرون نحو 213 مليار ليرة، تعادل 4.7 مليار دولار، من صناديق الاستثمار التركية بين 31 أغسطس و16 سبتمبر، فيما تجاوز عدد المستثمرين المتأثرين بالصناديق التي تقرر تصفيتها 350 ألف شخص.
عوائد استثنائية تثير الشكوك
بدأت المخاوف بشأن بعض الصناديق بعدما حققت عوائد ضخمة للغاية أثارت تساؤلات في الأوساط المالية. ومن بين الحالات اللافتة صندوق تابع لشركة «تيرا بورتفوي يونيتيمي»، سجل عائدًا تجاوز 66000% خلال السنوات الثلاث المنتهية في 16 سبتمبر.
وفي نوفمبر 2025، أقر وزير المالية محمد شيمشك بوجود اتهامات بالتلاعب في بعض الصناديق، متعهدًا باتخاذ إجراءات حيالها.
كما حذرت مؤسسات عالمية لمؤشرات الأسواق، من بينها «MSCI» و«FTSE»، من تأثير التحركات غير الطبيعية للأسهم على وضع تركيا كسوق ناشئة.
سحب مليارات الليرات يضغط على السوق
تصاعدت الأزمة خلال أغسطس، بعدما أصدرت هيئة أسواق المال التركية إرشادات جديدة للتعامل مع التحركات غير المعتادة في الأسهم، ما أدى إلى تدفقات خارجة حادة من بعض الصناديق.
وتعرضت شركة «بوسولا بورتفوي يونيتيمي» لانخفاض حاد في قيمة حيازاتها من الأسهم، قبل أن تعلن عدم قدرتها على تلبية طلبات الاسترداد.
وأعلنت «تيرا» لاحقًا اعتزامها شراء الشركة، لكن الضغوط امتدت إلى صناديقها، حيث أعلنت في 16 سبتمبر عدم قدرتها أيضًا على سداد مستحقات العملاء الراغبين في الخروج.
وسجل مؤشر «بورصة إسطنبول 100» تراجعًا حادًا في 15 سبتمبر، بينما واصلت غالبية الأسهم المدرجة عليه الهبوط، مع انخفاض أكثر من 100 سهم بنسب اقتربت من الحد اليومي البالغ 10%.
كيف تضخمت أسعار الأسهم؟
ركزت الصناديق المتعثرة على أسهم منخفضة السيولة وقليلة التداول الحر، وهو ما جعل الكميات المحدودة المتاحة للتداول قادرة على دفع الأسعار إلى مستويات مرتفعة.
وبحسب خبراء ماليين اطلعوا على عمليات التداول، استخدمت بعض الصناديق الأسهم التي ارتفعت قيمتها كضمان للحصول على قروض قصيرة الأجل، ثم أعادت استثمار الأموال في الأسهم ذاتها.
ومع انتشار أخبار العوائد الكبيرة، تدفق مزيد من المستثمرين إلى هذه الصناديق، ما ساهم في زيادة قيمتها. لكن مع بدء التخلص من بعض الأسهم، انهارت الأسعار وارتفعت طلبات الاسترداد، لتدخل الصناديق في دائرة من انخفاض الأصول وزيادة الحاجة إلى السيولة.
إجراءات حكومية لاحتواء تداعيات الأزمة
فرضت هيئة أسواق المال التركية حظرًا على التداول على بعض المتعاملين خلال التحقيقات المتعلقة باتهامات التلاعب، كما قدمت شكاوى جنائية وفرضت حظرًا لمدة عامين على التداول على بعض مديري الصناديق في «بوسولا» و«تيرا».
وفي 17 سبتمبر، أكدت الحكومة أن المشكلات لا تمثل خطرًا على النظام المالي التركي الأوسع، بينما ركزت لجنة الاستقرار المالي على تفادي أزمة سيولة محتملة.
كما تدخل البنك المركزي التركي من خلال زيادة التمويل عبر مزادات إعادة الشراء الأسبوعية، ورفع حدود اقتراض البنوك في سوق النقد بين البنوك، إلى جانب شراء سندات مقومة بالليرة بشكل مباشر للحد من ارتفاع العوائد في ظل اضطرابات الأسواق.
ثلاثة أشهر لتصفية الصناديق
تتجاوز أصول الصناديق التي تقرر تصفيتها 18 مليار دولار، ويبلغ عدد المستثمرين فيها نحو 350 ألف مستثمر.
وأعلنت هيئة أسواق المال التركية في 18 سبتمبر أن «إيش بنكاسي» الخاص و«زراعات بنكاسي» الحكومي سيتوليان الإشراف على عملية التصفية، على أن تستغرق ثلاثة أشهر.
ومن المقرر أن يبيع البنكان أصول الصناديق على مراحل، ثم يوزعا حصيلة عمليات البيع على المستثمرين وفقًا لحجم حيازاتهم.
مخاوف من تراجع ثقة المستثمرين
يرى محللون أن تداعيات الأزمة لا تزال متركزة بصورة كبيرة في الأسهم الأصغر حجمًا وشركات إدارة الأصول السبع المرتبطة بالصناديق المتعثرة، إلا أن التحدي الأبرز يتمثل في استعادة ثقة المستثمرين في قطاع الصناديق.
وقال أونور دويغو، مؤسس منصة تحليل الصناديق «فون تركي»، إن الثقة في الصناديق تضررت بشدة، وقد تحتاج عودة المستثمرين إلى منظومة الصناديق إلى فترة طويلة.


