قبل قرار الفائدة بساعات.. 3 سيناريوهات لمسار أسعار الفائدة الأمريكية
تتجه أنظار الأسواق العالمية إلى اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، المقرر يومي 15 و16 سبتمبر، وسط توقعات واسعة بأن يرفع البنك المركزي أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، ومن المقرر أن يصدر القرار يوم الأربعاء 16 سبتمبر، يعقبه المؤتمر الصحفي لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش.
ورغم أن بيانات التضخم الأخيرة عززت رهانات الأسواق على رفع الفائدة، يرى تحليل صادر عن «بلومبرج إيكونوميكس» أن القرار ليس محسومًا بالدرجة التي تعكسها تسعيرات الأسواق، مشيرًا إلى أن استمرار التوجيهات السابقة من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي لعب دورًا رئيسيًا في دفع التوقعات نحو الرفع.
بيانات التضخم تعزز رهانات رفع الفائدة
بحسب التحليل، جاء تقرير مؤشر أسعار المستهلكين لشهر أغسطس عاملًا رئيسيًا في ترسيخ توقعات رفع الفائدة، بعدما أكد مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي حاجتهم إلى مزيد من الثقة في عودة التضخم إلى مستهدف البنك البالغ 2%.
وأدت هذه التصريحات، إلى جانب بيانات التضخم، إلى تسعير الأسواق احتمال رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس بدرجة كبيرة.
لكن «بلومبرج إيكونوميكس» ترى أن الصورة أكثر تعقيدًا؛ إذ إن جزءًا مهمًا من تسارع التضخم جاء من فئة واحدة، هي خدمات الاتصالات اللاسلكية، في الوقت الذي تشير فيه بعض المقاييس التي تحظى باهتمام وارش إلى تراجع نطاق انتشار الضغوط التضخمية.
ويعني ذلك، وفق التحليل، أن رفع الفائدة قد يصبح نتيجة للتوجيهات السابقة للسياسة النقدية وضغوط الأسواق أكثر من كونه استجابة لانتشار واسع ومستدام للتضخم.
رفع واحد للفائدة خلال 2026
يرجح التحليل أن يكون رفع سبتمبر هو التحرك الوحيد لأسعار الفائدة الأمريكية خلال عام 2026، على أن يشير «مخطط النقاط» إلى خفض واحد بمقدار 25 نقطة أساس في كل من عامي 2027 و2028.
وتشير التقديرات إلى أن متوسط توقعات أعضاء اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة قد يعكس رفعًا واحدًا فقط خلال العام، بعدما كان ستة مسؤولين في يونيو يتوقعون رفع الفائدة مرتين على الأقل قبل نهاية 2026.
ومن المنتظر أن تكتسب التعديلات المرتقبة في توقعات أعضاء اللجنة أهمية خاصة بالنسبة للأسواق، لأنها ستكشف إلى أي مدى يرى صناع السياسة النقدية أن رفع سبتمبر قد يتبعه تحرك آخر.
النمو والتضخم تحت المجهر
على مستوى الاقتصاد الأمريكي، يتوقع التحليل بقاء توقعات النمو لعام 2026 عند نحو 2.2%، مقارنة بمعدل نمو محتمل يبلغ 2%.
وفي المقابل، قد تتجه توقعات التضخم الأساسي وفق مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي إلى الانخفاض إلى 3.2% من 3.3%، بينما قد ترتفع توقعات التضخم العام إلى 3.5% من 3.3%، مدفوعة باستمرار تأثير ارتفاع أسعار البنزين.
ويرى التحليل أن الأوضاع المالية الأكثر تشددًا، إلى جانب ارتفاع تكاليف الطاقة، قد تدفع النمو إلى التباطؤ خلال الفترة المقبلة.
كيف يتعامل وارش مع الأسواق؟
يكتسب المؤتمر الصحفي لرئيس الاحتياطي الفيدرالي أهمية خاصة، إذ من المتوقع أن يبقي وارش الباب مفتوحًا أمام رفع آخر للفائدة، دون تقديم إشارة قوية بشأن توقيته.
ويشير التحليل إلى أن طريقة صياغة وارش لموقفه قد تكون أكثر أهمية للأسواق من قرار رفع الفائدة نفسه.
فإذا جاءت تصريحاته غامضة بشأن الخطوات المقبلة، فقد تتعرض آجال الاستحقاق الطويلة في سوق سندات الخزانة لمزيد من ضغوط البيع. أما إذا قدم تفسيرًا واضحًا لكيفية استجابة الاحتياطي الفيدرالي للبيانات الاقتصادية، فقد تحصل السندات على بعض الاستقرار.
هل رفع الفائدة يكبح التضخم فعلًا؟
تشكك «بلومبرج إيكونوميكس» في مدى قدرة رفع الفائدة على معالجة الجزء الأكبر من الضغوط التضخمية الحالية، خصوصًا إذا كانت نسبة كبيرة منها ناتجة عن عوامل مرتبطة بالعرض.
ويشير التحليل إلى أن ارتفاع أسعار الفائدة قد يضعف الطلب والتوظيف، لكنه لن يعالج بالضرورة المشكلات المرتبطة بالعرض، ما يخلق مفاضلة صعبة أمام صناع السياسة النقدية.
كما تشير الحسابات الواردة في التحليل إلى تراجع نسبة مكونات مؤشري أسعار المستهلكين والمنتجين الداخلة في حساب معامل انكماش نفقات الاستهلاك الشخصي والتي ترتفع بأكثر من 3% خلال عام، من نحو 54% إلى قرابة 52% في أغسطس.
وبحسب التقديرات، قد يتراوح النطاق الفعلي بين 50% و53%، وهو ما يدعم الرأي القائل إن عددًا محدودًا من المكونات كان مسؤولًا عن جزء مهم من تجاوز قراءة التضخم توقعات السوق.
3 مسارات محتملة لأسعار الفائدة
يطرح التحليل ثلاثة مسارات محتملة لدالة رد فعل الاحتياطي الفيدرالي، استنادًا إلى العلاقة بين التضخم والبطالة ومسار أسعار الفائدة خلال السنوات الثلاث الماضية.
ويشير أحد النماذج إلى أن سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية قد يصل إلى نحو 3.9% بنهاية العام، بما يعني رفعًا واحدًا إضافيًا بمقدار 25 نقطة أساس.
وفي المقابل، فإن اعتماد هدف فعلي للتضخم عند 2% بدلًا من المستوى الأعلى الذي يعكسه سلوك السياسة النقدية تاريخيًا قد يقود إلى مسار أكثر تشددًا، وربما يرفع سعر الفائدة إلى نحو 4.25% بنهاية العام.
أما إعادة تقييم بيانات التضخم التاريخية بالخفض، فقد تقلص الحاجة إلى مزيد من الرفع، وقد تلغي الزيادة الإضافية بالكامل في بعض السيناريوهات.
مخطط النقاط قد يكون الأهم
يرى التحليل أن «مخطط النقاط» قد يقدم للأسواق إشارة أكثر أهمية من قرار الفائدة نفسه، لأنه سيكشف عدد مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الذين يرون حاجة إلى رفع جديد بعد اجتماع سبتمبر.
وفي يونيو، رأى ستة أعضاء أن أسعار الفائدة قد تصل إلى مستويات تشير إلى رفع إضافي واحد على الأقل بعد سبتمبر. ومن المتوقع أن يتغير هذا العدد في الاجتماع الحالي، لكن من غير المرجح أن يصل إلى أغلبية المشاركين، وفق تقديرات «بلومبرج إيكونوميكس».
وقد يدفع استمرار التضخم بعض المسؤولين إلى تبني موقف أكثر تشددًا، في حين قد تدفع مؤشرات تحسن انتشار التضخم وارتفاع عوائد السندات آخرين إلى التريث.
لماذا قد يكون رفع سبتمبر لمرة واحدة؟
الخلاصة الرئيسية للتحليل هي أن بيانات التضخم ورد فعل الأسواق دفعا الاحتياطي الفيدرالي إلى وضع يجعل رفع الفائدة في سبتمبر خطوة متوقعة بدرجة كبيرة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة بداية دورة جديدة من التشديد النقدي.
وترى «بلومبرج إيكونوميكس» أن رفع الفائدة مرة واحدة قد يكون كافيًا في ضوء المعطيات الحالية، خصوصًا مع تشدد الأوضاع المالية بالفعل نتيجة ارتفاع عوائد السندات وتراجع الأسهم.
وبحسب هذا السيناريو، قد يتجه الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في سبتمبر، ثم الانتظار لمراقبة التضخم وسوق العمل والنمو قبل اتخاذ أي خطوة إضافية.
ويظل اجتماع سبتمبر اختبارًا مهمًا لكيفية موازنة الاحتياطي الفيدرالي بين مخاطر التضخم من جهة، ومخاطر تباطؤ النمو والتوظيف من جهة أخرى، خاصة مع اقتراب الأسواق من مرحلة جديدة من إعادة تسعير مسار الفائدة الأمريكية.
