الثلاثاء 08 سبتمبر 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
أخبار

تراجع تحوطات كبار المستثمرين يفتح الباب أمام موجة جديدة من ضغوط الدولار

الثلاثاء 08/سبتمبر/2026 - 01:34 م
الدولار
الدولار

تواجه العملة الأميركية اختبارًا جديدًا مع تراجع مستويات التحوط لدى عدد من كبار المستثمرين العالميين، في وقت تتزايد فيه الشكوك بشأن قدرة الدولار على مواصلة أداء دوره التقليدي كملاذ آمن خلال فترات اضطراب الأسواق.

وتكشف بيانات صناديق التقاعد وشركات التأمين في عدد من الاقتصادات الكبرى أن المستثمرين في اليابان وكندا وتايوان وأستراليا والدنمارك وفنلندا كانوا قد تحوطوا من نحو 41% فقط من انكشافاتهم على العملات الأجنبية حتى نهاية يونيو الماضي، وهي أدنى نسبة مسجلة منذ عام 2015 على الأقل، وفق حسابات تستند إلى بيانات الأسواق الستة.

ويأتي ذلك بعد تراجع موجة التحوط التي شهدها العام الماضي، عندما دفعت الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب المستثمرين إلى زيادة الحماية من مخاطر هبوط الدولار، قبل أن تهدأ المخاوف تدريجيًا مع تحسن أداء العملة الأميركية.

تقلص التحوط يرفع مخاطر هبوط الدولار

عودة المستثمرين إلى خفض مستويات التحوط تعكس إلى حد كبير استراتيجية أثبتت جدواها على مدار سنوات، إذ اعتاد الدولار خلال معظم العقد الماضي على تحقيق مكاسب أو الحفاظ على قوته في أوقات اضطراب الأسواق، وهو ما كان يوفر حماية غير مباشرة للمستثمرين الأجانب الذين يمتلكون أسهمًا وسندات أميركية.

وكانت قوة العملة الأميركية تساعد على الحد من الخسائر الناتجة عن تحويل قيمة الأصول الأميركية إلى العملات المحلية، لذلك لم يكن لدى المستثمرين حافز قوي لتحمل تكاليف إضافية من أجل التحوط من مخاطر الدولار.

لكن هذه المعادلة بدأت تتغير، إذ لم تعد تكلفة التحوط المرتفعة هي العامل الوحيد المؤثر، بالتزامن مع تراجع الثقة في استمرار الدولار كأداة دفاعية رئيسية خلال الأزمات.

وتراجع الدولار بنحو 2.3% خلال الربع الحالي، كما انخفض أمام معظم عملات مجموعة العشر، في ظل عودة رهانات المستثمرين على إمكانية تراجع قيمة العملة الأميركية نتيجة السياسات الاقتصادية والتجارية للولايات المتحدة.

وزادت تحركات وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت لدعم الين الياباني والحد من ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية من حالة القلق، إلى جانب حالة عدم اليقين بشأن توجهات رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش تجاه التضخم وأسعار الفائدة، في ظل ضغوط إدارة ترمب لخفض تكاليف الاقتراض.

ويعني التحوط من مخاطر العملة أن المستثمر يبيع الدولار مقابل عملته المحلية من خلال أدوات مالية مشتقة، وبالتالي فإن زيادة مستويات التحوط لدى المستثمرين الأجانب يمكن أن تتحول إلى مصدر إضافي للطلب على عملاتهم المحلية والضغط على الدولار.

وبحسب تقديرات تستند إلى حجم الأصول المقومة بالعملات الأجنبية لدى المستثمرين في الأسواق الستة، فإن ارتفاع نسبة التحوط بمقدار 5 نقاط مئوية فقط قد يؤدي إلى معاملات في سوق الصرف بقيمة تقارب 230 مليار دولار.

وتبلغ قيمة حيازات العملات الأجنبية في هذه الأسواق نحو 4.6 تريليون دولار، فيما لا تشمل هذه الحسابات أسواقًا رئيسية مثل بريطانيا ومنطقة اليورو.

وتبرز اليابان بصورة خاصة باعتبارها أكبر حائز أجنبي لسندات الخزانة الأميركية، إذ تمثل نحو 10% من الحيازات الأجنبية، بينما توجد كندا وتايوان أيضًا ضمن أكبر عشر دول حيازة للسندات الأميركية.

انخفاض تكلفة التحوط قد يعيد تشكيل المراكز

في المقابل، بدأت تكلفة التحوط من الدولار في التراجع بعد سنوات من ارتفاعها، وهو ما قد يدفع بعض المستثمرين إلى إعادة النظر في مستويات الحماية التي يستخدمونها.

وانخفضت تكلفة التحوط من الدولار لمدة ثلاثة أشهر بالنسبة للمستثمرين الذين يتعاملون بالين إلى نحو 2.75%، وهو أدنى مستوى في أربع سنوات، بعدما وصلت إلى 6% في أكتوبر 2023.

كما تراجعت تكلفة التحوط بالنسبة للمستثمرين الذين يتعاملون باليورو إلى نحو 1.32%، وهو أدنى مستوى لها في عامين.

وكانت تحركات المستثمرين نحو التحوط قد شهدت تغيرًا واضحًا خلال العام الماضي، إذ تجاوزت التدفقات إلى الصناديق المتداولة التي تستثمر في الأصول الأميركية مع التحوط من مخاطر الدولار التدفقات إلى الصناديق غير المتحوط لها للمرة الأولى خلال العقد الحالي، وفق بيانات دويتشه بنك.

إلا أن تغيرات أسواق الفائدة العالمية قد تدفع المعادلة في اتجاه مختلف، خاصة مع ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة الضغوط التضخمية المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية، الأمر الذي قد يدفع البنوك المركزية في عدد من الدول إلى تبني سياسات نقدية أكثر تشددًا.

وفي حال اتسعت أسعار الفائدة خارج الولايات المتحدة مقارنة بالفائدة الأميركية، فقد تصبح تكلفة الاحتفاظ بانكشاف غير محوط على الدولار أقل جاذبية بالنسبة لبعض المستثمرين.

ولا تزال توقعات السياسة النقدية الأميركية غير واضحة، خاصة مع استمرار التباين بين الحاجة إلى مواجهة التضخم والضغوط السياسية للحفاظ على تكاليف الاقتراض عند مستويات منخفضة.

ويرى محللون أن استمرار تراجع توقعات رفع الفائدة الأميركية وانكماش فروق أسعار الفائدة بين الولايات المتحدة والاقتصادات الأخرى قد يشجع المستثمرين على إعادة بناء مراكز التحوط، بما قد يشكل مصدرًا مستمرًا للضغط على الدولار.

اليابان في مقدمة الدول المرشحة لزيادة التحوط

تبدو اليابان من أكثر الأسواق التي قد تشهد تحولًا في سياسة التحوط خلال الفترة المقبلة، بالنظر إلى ضخامة استثمارات المؤسسات اليابانية في الأصول الأميركية.

وتشير تقديرات دويتشه بنك إلى أن المستثمرين اليابانيين قاموا بالتحوط من نحو 41% من مشترياتهم الجديدة من السندات الأجنبية خلال النصف الأول من العام الجاري، مقارنة مع 62% خلال عام 2024.

ويعتبر هذا المستوى قريبًا من أدنى مستويات التحوط التي سجلها المستثمرون اليابانيون خلال السنوات الماضية، وهو ما يلفت الانتباه خصوصًا مع اختلاف البيئة الاقتصادية الحالية عن الفترة التي شهدت مستويات تحوط منخفضة في السابق.

ويرى محللون أن ثلاثة عوامل رئيسية قد تدفع المستثمرين اليابانيين إلى زيادة التحوط، أولها احتمال مواصلة بنك اليابان رفع أسعار الفائدة، بما يؤدي إلى تضييق الفجوة بين العوائد اليابانية والأميركية.

أما العامل الثاني فيتمثل في احتمال حدوث هبوط قوي للدولار، الأمر الذي قد يؤدي إلى زيادة الخسائر على المراكز غير المحوطة، ويدفع لجان المخاطر في المؤسسات الاستثمارية إلى رفع مستويات الحماية.

ويتمثل العامل الثالث في التغييرات المرتقبة في قواعد الملاءة المالية، والتي قد تحد من قدرة شركات التأمين اليابانية على تحمل تقلبات أسعار العملات لفترات طويلة.

وبذلك، لا يعني انخفاض التحوط الحالي بالضرورة أن المستثمرين يتخلون عن الأصول الأميركية، إذ يمكن للمؤسسات الاحتفاظ بالأسهم أو سندات الخزانة الأميركية مع زيادة التحوط من مخاطر العملة عبر العقود الآجلة.

وتكمن أهمية هذه النقطة في أن الضغط المحتمل على الدولار قد يأتي من سوق العملات وليس بالضرورة من عمليات بيع واسعة للأصول الأميركية.

كما يثير تغير الدور التقليدي للدولار كملاذ آمن تساؤلات متزايدة بين مديري الأصول العالميين، خصوصًا في ظل ارتفاع المخاطر الجيوسياسية وتغير توجهات السياسات النقدية والمالية.

ويرى بعض الاستراتيجيين أن الاعتماد الكبير على الدولار باعتباره العملة الدفاعية الرئيسية قد يحتاج إلى إعادة تقييم، مع اتجاه بعض المستثمرين إلى تنويع سلة العملات الأجنبية بدلًا من الاعتماد على الدولار بدرجة كبيرة.

وفي ظل امتلاك المستثمرين الأجانب أرصدة ضخمة من الأصول الأميركية، فإن أي تعديل محدود في نسب التحوط قد يؤدي إلى تدفقات مالية ضخمة في سوق الصرف، وهو ما يجعل تحركات الدولار خلال الفترة المقبلة شديدة الحساسية لتغيرات استراتيجيات المستثمرين العالميين.