الخميس 03 سبتمبر 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
تحليل

القنوات الإخوانية.. من الإعلام إلى أدوات التأثير السياسي

الخميس 03/سبتمبر/2026 - 12:57 م
القنوات الإخوانية
القنوات الإخوانية

لم تعد القنوات والمنصات المحسوبة على جماعة الإخوان تقتصر على تقديم محتوى إعلامي يخاطب أنصارها، بل تطورت خلال السنوات الماضية إلى منظومة إعلامية عابرة للحدود، تضم قنوات فضائية ومواقع إلكترونية وحسابات وصفحات رقمية، تعمل على إعادة تقديم الأحداث من زوايا تخدم الخطاب السياسي للجماعة.

ومع اتساع الاعتماد على المنصات الرقمية، أصبح الإعلام أحد أبرز الأدوات المستخدمة في إدارة الصراع السياسي من الخارج، من خلال إنتاج المحتوى وتوزيعه على أكثر من منصة، وإعادة تدويره بصورة متكررة بما يضمن وصول الرسائل إلى شرائح مختلفة من الجمهور.

تعدد المنصات.. واجهات مختلفة ورسائل متقاربة

تعتمد المنظومة الإعلامية الإخوانية في الخارج على تعدد الواجهات، فلا تقتصر على منصات تعلن بشكل مباشر عن توجهاتها السياسية، وإنما تشمل مواقع وحسابات وصفحات بأسماء مختلفة، بعضها يقدم نفسه في صورة منصات متخصصة أو عامة.

ويمنح هذا التعدد قدرة أكبر على الوصول إلى جمهور لا يتابع بالضرورة القنوات أو المنصات ذات الطابع السياسي المباشر، كما يجعل تتبع مصدر المحتوى وعلاقته بالجهة التي تقف خلفه أكثر صعوبة.

وتتحرك الرسالة الواحدة بين القنوات والمواقع وصفحات التواصل الاجتماعي والحسابات المؤثرة، بما يخلق حالة من التكرار والانتشار قد تمنح الرواية المطروحة حضورًا واسعًا، دون أن يكون تكرار المحتوى دليلًا على صحته.

الخارج.. بيئة جديدة لإدارة النشاط الإعلامي

مع انتقال جانب كبير من نشاط الجماعة إلى الخارج بعد عام 2013، برزت كيانات إعلامية وتجارية مسجلة في دول مختلفة، من بينها بريطانيا، وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة الهياكل القانونية والإدارية والملكية المرتبطة ببعض المنصات.

ويحتاج هذا الملف إلى فحص السجلات الرسمية والبيانات المتاحة حول الشركات والمالكين والمساهمين والمستفيدين الحقيقيين، مع ضرورة الفصل بين المعلومات المثبتة بالوثائق وبين ما يرد في صورة تقارير أو ادعاءات تحتاج إلى تحقق مستقل.

وتزداد أهمية معرفة هياكل الملكية والتمويل مع اتساع شبكة المنصات، نظرًا لما تتطلبه القنوات والمواقع من تكاليف تتعلق بالإنتاج والبث والاستضافة والإدارة والترويج والتقنيات الرقمية.

من المحتوى إلى صناعة التأثير

لا يتوقف دور المنصات عند نشر المحتوى، إذ تعتمد الدعاية الرقمية بصورة عامة على اختيار موضوعات محددة ومفردات متكررة وزوايا معالجة ووسوم يمكن الدفع بها عبر حسابات متعددة.

وفي حال تكرار الرسالة نفسها من مصادر تبدو مستقلة، قد يتكون لدى المتلقي انطباع بوجود اتجاه عام تجاه قضية معينة، بينما يظل التكرار وحده غير كافٍ لإثبات صحة المعلومات المتداولة.

وتتحرك الرسائل بين المنصات في دوائر متتابعة؛ تبدأ من قناة أو موقع، ثم تنتقل إلى صفحات التواصل الاجتماعي، ومنها إلى الحسابات المؤثرة ومجموعات إعادة النشر، لتصل في النهاية إلى جمهور أكبر من المتابعين الأصليين للمنصة.

الاستحواذ على الجمهور بدلًا من بنائه

ومن بين الأدوات التي يبرز الحديث عنها في المجال الرقمي الاستفادة من صفحات تمتلك بالفعل أعدادًا كبيرة من المتابعين، خاصة الصفحات التي كانت تقدم محتوى رياضيًا أو فنيًا أو ترفيهيًا.

وفي حال تغيير هوية الصفحة ومحتواها تدريجيًا، يمكن الانتقال من المحتوى العام إلى الرسائل السياسية، وهو ما يتيح الوصول إلى جمهور لم يتوجه في الأساس إلى متابعة محتوى سياسي أو حزبي.

وبذلك يصبح امتلاك الجمهور الموجود بالفعل وسيلة لتوسيع نطاق الوصول، بدل الاعتماد فقط على بناء صفحات سياسية جديدة من نقطة الصفر.

الذكاء الاصطناعي.. تحدٍ جديد أمام التحقق

أضاف انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي مستوى جديدًا إلى تحديات التحقق من المحتوى الرقمي، مع إمكانية إنتاج صور وأصوات ومقاطع فيديو مصطنعة تبدو للوهلة الأولى حقيقية.

وتزداد خطورة هذا النوع من المحتوى عندما يدخل في دورة إعادة النشر؛ فقد يظهر مقطع غير موثوق على حساب، ثم تعيد منصة أخرى نشره باعتباره مادة متداولة، قبل أن يتحول لاحقًا إلى موضوع للنقاش في مواقع أخرى.

وتؤدي هذه الدورة إلى منح المحتوى المجهول أو غير الموثوق انتشارًا أكبر، وهو ما يجعل التحقق من المصدر والتاريخ والسياق الأصلي للمادة أمرًا أساسيًا قبل تداولها أو الاستناد إليها.

الحسابات الرقمية.. طبقة إضافية من التأثير

إلى جانب القنوات والمواقع، تمثل الحسابات والصفحات الرقمية عنصرًا مهمًا في عملية انتشار الرسائل السياسية، من خلال إعادة نشر موضوعات بعينها أو تكثيف الحديث عن قضايا محددة أو الدفع بها إلى قوائم التداول.

وتستهدف هذه الآليات جمهورًا أوسع من المتابعين التقليديين للمنصات السياسية، خاصة المستخدمين الذين يتابعون المحتوى العام أو الترفيهي أو الخدمي.

كما يمكن استغلال الأزمات الاقتصادية والخدمية والأحداث السياسية والإقليمية في إنتاج محتوى قابل لإعادة التداول، بما قد يسهم في زيادة حالة الجدل والاستقطاب حول القضية المطروحة.

التمويل والملكية.. أسئلة تحتاج إلى وثائق

كلما توسعت الشبكة الإعلامية، برزت الحاجة إلى معرفة مصادر التمويل والهياكل القانونية وعلاقات الملكية والإدارة بين الكيانات المختلفة.

وتشمل هذه العملية مراجعة سجلات الشركات والبيانات الرسمية المتعلقة بالمساهمين والمالكين والمستفيدين الحقيقيين، إلى جانب تتبع العلاقات بين شركات الإنتاج والبث والنشر، مع التمييز بين المعلومات الموثقة وما يحتاج إلى مزيد من التحقق.

الإعلام كأداة للصراع السياسي

يعكس هذا التطور تحول الإعلام الإخواني في الخارج من مجرد قنوات لنقل المواقف إلى أدوات أوسع للتأثير السياسي وصناعة الرواية، عبر الجمع بين الإعلام التقليدي والمنصات الرقمية والحسابات الاجتماعية.

وتكمن أهمية هذه المنظومة في قدرتها على إعادة تقديم الحدث الواحد عبر قنوات وواجهات متعددة، بما يسمح بتوسيع نطاق الوصول والتأثير في الانطباعات العامة.

وفي ظل هذا المشهد، لا تصبح مواجهة المحتوى المضلل مرتبطة فقط بتتبع الحسابات والمنصات، وإنما تعتمد أيضًا على تعزيز قدرة الجمهور على التحقق من مصادر المعلومات، ومعرفة سياقها، والتمييز بين الخبر والرأي والمحتوى المفبرك.

وهكذا انتقلت المعركة من مجرد امتلاك قناة إعلامية إلى امتلاك القدرة على الوصول إلى الجمهور وصناعة الرواية وتحديد زاوية النظر إلى الأحداث، لتصبح المنصات الإعلامية إحدى أدوات التأثير السياسي وإدارة الصراع من خارج الحدود.