إسطنبول.. كيف تحولت إلى مركز للإعلام الإخواني ثم فقدت هذا الدور؟
منذ عام 2013، برزت إسطنبول بوصفها إحدى أهم المدن التي احتضنت وسائل إعلام مصرية مرتبطة بجماعة الإخوان الإرهابية، بعد خروج عدد من قيادات الجماعة والعاملين في المجال الإعلامي من مصر عقب عزل محمد مرسي.
ومع انتقال هذه الشخصيات إلى تركيا، ظهرت مجموعة من القنوات والمنصات التي تبث باللغة العربية وتوجه جزءًا كبيرًا من محتواها إلى الجمهور المصري، من بينها قنوات الشرق ومكملين ووطن، إلى جانب منصات إعلامية أخرى، لإشعال الفتن وممارسة التحريض المستمر ضد الدولة المصرية.
لم يكن اختيار إسطنبول مصادفة، فالمدينة تمتلك بنية إعلامية واتصالات متطورة، وتضم جالية عربية كبيرة، كما وفرت البيئة السياسية التركية في تلك المرحلة مساحة للحضور العلني لشخصيات تنتمي إلى جماعة الإخوان أو تتبنى خطابًا معارضًا للسلطات المصرية.
من إسطنبول إلى الشاشة
تحولت المدينة خلال سنوات إلى نقطة تجمع للإعلاميين والسياسيين المحسوبين على جماعة الإخوان الإرهابية، وأصبحت مقرات القنوات ومنصاتها الرقمية جزءًا من شبكة إعلامية تستهدف مصر بصورة رئيسية.
وتناولت هذه القنوات ملفات سياسية واقتصادية وأمنية مصرية، واعتمدت على برامج الحوار والتعليق السياسي واستضافة شخصيات معارضة.
وتشير دراسات تناولت علاقة الإعلام بالصراع الداخلي داخل جماعة الإخوان إلى أن القنوات التي انطلقت من تركيا لعبت دورًا في تشكيل الخطاب السياسي للجماعة في الخارج، كما ساهمت وسائل الإعلام التقليدية والمنصات الرقمية في إدارة الخلافات داخل التنظيم.
لماذا تركيا؟
ارتبط صعود هذا الإعلام بالسياق السياسي الذي جمع أنقرة بالقاهرة في أعقاب أحداث 2013، وخلال تلك الفترة، استضافت تركيا شخصيات مصرية معارضة، فيما تحولت إسطنبول إلى مركز لنشاط عدد من وسائل الإعلام المعارضة التي ارتبط بعضها بجماعة الإخوان، ووجود أعضاء الجماعة في تركيا لم يقتصر على النشاط الإعلامي، بل امتد إلى تأسيس شبكات اجتماعية ومؤسسات وشركات وكيانات مختلفة، وهو ما ساعد على ترسيخ وجودهم في البلاد.
الإعلام في مواجهة التقارب المصري التركي
لكن المشهد تغيَّر مع بدء مسار التقارب بين القاهرة وأنقرة، ففي مارس 2021، طلبت السلطات التركية من ثلاث قنوات مصرية معارضة تبث من تركيا، هي الشرق ومكملين ووطن، وقف البرامج السياسية التي تنتقد الحكومة المصرية، مع الالتزام بسياسات إعلامية جديدة، وأكد أيمن نور، رئيس قناة الشرق، أن مسؤولين أتراكًا طلبوا من القنوات تخفيف لهجتها السياسية.
مثّل القرار نقطة تحول في علاقة تركيا بالإعلام الإخواني الموجود على أراضيها.
فالمعادلة التي سمحت لسنوات بوجود منصات إعلامية مصرية معارضة في إسطنبول بدأت تتغيَّر مع تغيُّر أولويات السياسة الخارجية التركية، خصوصًا مع اتجاه أنقرة إلى إعادة بناء العلاقات مع القاهرة.
وفي السنوات التالية، واصلت السلطات التركية فرض قيود على بعض الأنشطة الإعلامية والسياسية المرتبطة بالإخوان، وفي سبتمبر 2024، أفادت تقارير بتوقف بث قنوات إخوانية من إسطنبول، في سياق الإجراءات التي رافقت التقارب المصري التركي.
مكملين خارج تركيا
لم يكن التحول مقتصرًا على القنوات التي واصلت العمل من إسطنبول، فقد أغلقت قناة مكملين مكتبها في تركيا في 2022، وأعلنت انتقال نشاطها خارج البلاد، في خطوة عكست الضغوط التي واجهتها وسائل الإعلام المصرية المعارضة الموجودة هناك، وهكذا بدأت إسطنبول تفقد موقعها الذي اكتسبته خلال سنوات باعتبارها مركزًا رئيسيًّا للإعلام المصري المعارض المرتبط بالإخوان.
من الملاذ الإعلامي إلى الحسابات السياسية
تكشف تجربة إسطنبول أن وجود وسائل الإعلام الإخوانية في مدينة أو دولة لم يعتمد على العوامل الإعلامية وحدها، فالسياسة كانت عاملًا رئيسيًّا في تحديد مساحة الحركة، عندما كانت العلاقات التركية المصرية في حالة توتر، وفرت البيئة التركية مساحة واسعة لوسائل الإعلام المعارضة للقاهرة، ومع تحسُّن العلاقات بين البلدين، تغيَّرت قواعد العمل الإعلامي.
وتظهر قرارات عام 2021 بوضوح أن أنقرة باتت تربط نشاط هذه القنوات بحساباتها السياسية الجديدة، بعدما طلبت منها تخفيف خطابها تجاه القاهرة.
إسطنبول لم تعد كما كانت
على مدار سنوات، ارتبط اسم إسطنبول بمشهد إعلامي مصري تشكل خارج الحدود، واستفاد من وجود كوادر إعلامية وسياسية ومن بنية اتصالات تسمح بالبث والوصول إلى الجمهور المصري، لكن هذا المشهد تعرض لتغيرات كبيرة مع التقارب المصري التركي.
وبذلك انتقلت إسطنبول من كونها مركزًا رئيسيًّا لاستضافة الإعلام الإخواني المعارض إلى مدينة أصبحت فيها حركة هذا النشاط أكثر تقييدًا.
وتبقى تجربة إسطنبول نموذجًا واضحًا لكيفية ارتباط الإعلام السياسي بحسابات الدول، وكيف يمكن للتحولات في العلاقات الدولية أن تعيد رسم خريطة المنصات الإعلامية ومساحات عملها في الخارج.
- إسطنبول
- مركز للإعلام الإخواني
- وسائل إعلام مصرية
- جماعة الإخوان
- جماعة الإخوان الإرهابية
- المجال الإعلامي من مصر
- محمد مرسي
- الدولة المصرية
- تركيا
- أنقرة
- القاهره
- أحداث 2013
- شخصيات مصرية معارضة
- التقارب المصري التركي
- الإعلام الإخواني
- مكملين
- الشرق
- قنوات الشرق ومكملين ووطن
- أيمن نور
- مكملين خارج تركيا
- الإعلام الإخواني المعارض
