الصين لا تريد السوق المصرية فقط.. لماذا تراهن على مصر كبوابة إقليمية؟
بعد 70 عامًا من إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين، لم تعد قوة الشراكة بين البلدين تُقاس فقط بطول عمرها أو بحجم التبادل التجاري، وإنما بمدى قدرتها على الانتقال إلى مرحلة أكثر عمقًا، تقوم على التصنيع المشترك، وتوطين التكنولوجيا، وجذب الاستثمارات، وربط الإنتاج المصري بالأسواق الإقليمية.
وتكتسب زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر، اليوم الثلاثاء 1 سبتمبر، أهمية خاصة، باعتبارها الأولى له إلى القاهرة منذ عشر سنوات، وفي ظل تحولات متسارعة يشهدها الاقتصاد العالمي، دفعت الدول إلى إعادة ترتيب سلاسل الإمداد ومصادر الإنتاج والأسواق، وهو ما يمنح الشراكة المصرية الصينية أبعادًا اقتصادية جديدة.
وبحسب تقرير لقناة CGTN الصينية، شهدت العلاقات التجارية بين البلدين تطورات مهمة خلال الفترة الأخيرة، في وقت تتجه فيه الصين ومصر تدريجيًا من نموذج يقوم على تبادل السلع إلى نموذج أكثر ارتباطًا بتطوير القدرات الصناعية وشبكات الإنتاج والاستثمار.
20.8 مليار دولار حجم التجارة في 2025
وسجل حجم التبادل التجاري بين الصين ومصر مستوى قياسيًا بلغ 20.8 مليار دولار خلال عام 2025، إلا أن الأهم من الرقم هو التغير في طبيعة السلع المتبادلة، إذ أصبحت السلع الوسيطة تمثل نحو ثلثي الصادرات الصينية إلى مصر، بما يعكس تنامي ارتباط الصناعة المصرية بسلاسل الإنتاج والتوريد الصينية.
وتكشف بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن قفزة كبيرة في الصادرات المصرية إلى الصين، حيث ارتفعت خلال النصف الأول من 2026 إلى نحو 840.8 مليون دولار، مقابل 280.5 مليون دولار خلال الفترة نفسها من 2025، بنمو بلغ 199.8%.
وفي المقابل، ارتفعت الواردات المصرية من الصين إلى 10.4 مليار دولار خلال النصف الأول من 2026، مقابل 9.1 مليار دولار خلال الفترة المقابلة من العام السابق، بزيادة 14.3%.
وبذلك ارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال أول 6 أشهر من 2026 إلى نحو 11.3 مليار دولار، مقابل 9.3 مليار دولار خلال الفترة نفسها من 2025، بنمو 21.5%.
من «صنع في الصين» إلى «صنع في مصر»
وتشير هذه التطورات إلى تغير تدريجي في نموذج الشراكة، من علاقة تقوم على استيراد المنتجات الصينية إلى نموذج أكثر ارتباطًا بالتصنيع داخل مصر، بحيث تصبح المعادلة الجديدة أقرب إلى: «تصميم صيني، وتصنيع مصري، وتصدير إلى الأسواق الإقليمية».
وتبرز المنطقة الاقتصادية والتجارية الصينية المصرية «تيدا» نموذجًا واضحًا لهذا التحول، إذ تضم ما يقرب من 200 شركة، إلى جانب منظومة متكاملة من الخدمات اللوجستية والجمركية والتدريب والتنسيق الحكومي.
ولا تقتصر أهمية المنطقة على جذب الشركات والاستثمارات، وإنما تمتد إلى توفير بيئة متكاملة تساعد المستثمر الصناعي على التعامل مع تحديات الدخول إلى السوق، من توفير العمالة إلى سلاسل الموردين والخدمات اللوجستية ونقل المنتجات.
الصين تراهن على مصر كبوابة للأسواق الإقليمية
ومع توسع الشركات الصينية في مصر، تتحول القاهرة تدريجيًا من مجرد سوق للمنتجات الصينية إلى قاعدة إنتاج وتصدير يمكن من خلالها الوصول إلى أسواق المنطقة.
ويقدم توسع شركة «تشاينا إكس دي إلكتريك» مثالًا على هذا التحول؛ إذ بدأت الشركة نشاطها في مصر كمصنع للمعدات، قبل أن تتوسع إلى مجالات الهندسة والمشتريات والإنشاء، وتشارك بحلول منتصف 2025 في أكثر من 30 مشروعًا لنقل الطاقة ومحطات التحويل في أنحاء الجمهورية.
وبالنسبة لمصر، فإن الاستثمارات الصينية لا تضيف رأس المال فقط، وإنما تتيح نقل الخبرات الصناعية، وتطوير مهارات العمالة، وربط الشركات المحلية بشبكات الموردين، وهو ما يمكن أن يدعم جهود توطين الصناعة وزيادة القيمة المضافة المحلية.
30 مليار يوان.. توسع في مقايضة العملات
وفي الجانب المالي، اتخذ التعاون المصري الصيني خطوة جديدة في يونيو 2026، مع توسيع اتفاقية مقايضة العملات الثنائية من 18 مليار يوان إلى 30 مليار يوان، بالتزامن مع مذكرة تفاهم أوسع بين البنكين المركزيين شملت ترتيبات المدفوعات عبر الحدود ودراسة فرص الربط مع نظام المدفوعات بين البنوك عبر الحدود.
ولا يعني ذلك بالضرورة التخلي عن الدولار، بقدر ما يعكس توجهًا نحو تنويع أدوات التسوية وتقليل تكاليف المعاملات وتعزيز مرونة التجارة والاستثمار في مواجهة تقلبات أسعار الصرف.
وتمنح ترتيبات المقايضة والعملات المحلية مصر والصين أداة إضافية لتسهيل حركة التجارة والاستثمارات، خصوصًا مع اتساع حجم التعاملات الاقتصادية بين البلدين.
مكاسب مصر.. تصنيع واستثمار وتصدير
وتتمثل أبرز مكاسب مصر من تطور الشراكة مع الصين في إمكانية جذب المزيد من الاستثمارات الصناعية، وزيادة التصنيع المحلي، ونقل التكنولوجيا والخبرات، وخلق فرص عمل، إلى جانب الاستفادة من موقع مصر الجغرافي والبنية التحتية والموانئ وقناة السويس كمزايا تدعم تحولها إلى مركز إقليمي للإنتاج والتصدير.
وفي المقابل، تستفيد الصين من وجود قاعدة صناعية ولوجستية في مصر تتيح لها الاقتراب من الأسواق الأفريقية والعربية، والاستفادة من الاتفاقيات التجارية التي تربط مصر بعدد كبير من الأسواق.
وبذلك، تتجه العلاقة المصرية الصينية إلى مرحلة جديدة لا يكون فيها حجم التجارة هو المؤشر الوحيد على قوة الشراكة، وإنما قدرة البلدين على بناء سلاسل إنتاج مشتركة، وتوطين الصناعة، وتعزيز الاستثمارات، وتطوير أدوات التمويل والتسوية، بما يحول مصر من سوق مستهلك للمنتجات الصينية إلى شريك صناعي وبوابة إقليمية للمنتجات والاستثمارات الصينية.








