جوليوس نيريري.. السد الذي حمل الخبرة المصرية إلى قلب أفريقيا
لم يعد مشروع سد ومحطة «جوليوس نيريري» الكهرومائية في تنزانيا مجرد قصة نجاح هندسي عابرة، بل أصبح واحدًا من أبرز نماذج الحضور المصري في القارة الأفريقية.
واليوم الجمعة ٢١ أغسطس 2026، تصل قصة المشروع إلى محطتها الأهم مع افتتاحه رسميًا، وسط مشاركة مصرية رفيعة المستوى، إذ توجه الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، إلى تنزانيا نيابة عن الرئيس عبد الفتاح السيسي للمشاركة في مراسم الافتتاح، على رأس وفد يضم عددًا من الوزراء ومسؤولي التحالف المصري المنفذ للمشروع.
حكاية سد على نهر روفيجي
يقام مشروع «جوليوس نيريري» على نهر روفيجي في منطقة موروجورو بتنزانيا، وهو عبارة عن سد ومحطة ضخمة لتوليد الطاقة الكهرومائية.
وتبلغ القدرة الإنتاجية للمحطة نحو 2115 ميجاوات، فيما تصل السعة التخزينية لبحيرة السد إلى نحو 34 مليار متر مكعب من المياه، ويبلغ طول السد الرئيسي نحو 1025 مترًا وارتفاعه نحو 131 مترًا.
ولا يقتصر الهدف من المشروع على توليد الكهرباء، إذ يستهدف أيضًا تنظيم تصرفات المياه على مدار العام، والتعامل مع فترات الفيضان، وتوفير احتياجات المياه اللازمة لأغراض التنمية والزراعة، بما يعزز الاستفادة من الموارد المائية في تنزانيا.
وتشير بيانات «المقاولون العرب» إلى أن المشروع يستهدف إنتاج نحو 6307 آلاف ميجاوات/ساعة سنويًا، بما يكفي احتياجات نحو 17 مليون أسرة تنزانية، وهو ما يوضح حجم التأثير المتوقع للمشروع على منظومة الطاقة والاقتصاد في البلاد.
مصر تدخل المشروع من بوابة الخبرة
القصة المصرية في «جوليوس نيريري» بدأت بصورة مباشرة في ديسمبر 2018، عندما وقع التحالف المصري المكون من شركتي المقاولون العرب والسويدي إليكتريك عقد تنفيذ المشروع بقيمة بلغت نحو 2.9 مليار دولار.
ومنذ ذلك الوقت، تحولت منطقة المشروع إلى ورشة عمل ضخمة شارك فيها آلاف المهندسين والفنيين والعمال من مصر وتنزانيا.

وبحسب تصريحات حديثة لرئيس الوزراء مصطفى مدبولي، استغرق تنفيذ المشروع نحو خمس سنوات، وشارك فيه نحو 1700 مهندس وفني مصري ضمن فريق عمل بلغ إجماليه نحو 12 ألف عامل.
وهنا تظهر إحدى أهم دلالات المشروع بالنسبة إلى مصر؛ فالقاهرة لم تقدم تمويلًا أو دعمًا سياسيًا فقط، وإنما صدرت الخبرة الهندسية المصرية نفسها إلى مشروع استراتيجي في قلب شرق أفريقيا.
مشروع ضخم بتفاصيل أكبر من السد نفسه
المشروع يضم منظومة هندسية متكاملة تشمل سدودًا فرعية، ومفيضات للمياه، وأنفاقًا لتحويل مياه النهر، وثلاثة أنفاق للمياه اللازمة لمحطة الكهرباء، فضلًا عن كباري وطرق ومنشآت مرتبطة بالمشروع.
ووفق بيانات «المقاولون العرب»، بلغت كمية الخرسانة المستخدمة في السد الرئيسي نحو 1.4 مليون متر مكعب من الخرسانة المدموكة، كما شملت الأعمال إنشاء كوبري دائم فوق نهر روفيجي بطول 250 مترًا، صُمم لتحمل حمولات تصل إلى 300 طن، وهو ما يعكس طبيعة الأعمال الهندسية المعقدة التي تطلبها المشروع.
كما تضم محطة التوليد 9 توربينات، إلى جانب منظومة نقل وربط كهربائي لنقل الطاقة المنتجة إلى الشبكة القومية التنزانية.

لماذا يمثل المشروع أهمية خاصة لتنزانيا؟
تنظر تنزانيا إلى «جوليوس نيريري» باعتباره مشروعًا محوريًا في قطاع الطاقة.
فالقدرة التي ستضيفها المحطة، والمقدرة بنحو 2115 ميجاوات، تمنح البلاد دفعة كبيرة في توفير الكهرباء اللازمة للمواطنين والقطاعات الإنتاجية، وتدعم توجهها نحو التوسع في التنمية والتصنيع.
كما أن الاعتماد على الطاقة الكهرومائية يمنح المشروع بعدًا بيئيًا، إذ يوفر مصدرًا للطاقة النظيفة نسبيًا، إلى جانب دوره في إدارة المياه والحد من مخاطر الفيضانات.
ومن هنا، فإن نجاح المشروع بالنسبة إلى تنزانيا لا يقاس فقط بعدد الميجاوات التي تنتجها التوربينات، وإنما بقدرته على أن يصبح جزءًا من البنية الأساسية التي تقوم عليها خطط التنمية الاقتصادية في الدولة.
والسد بالنسبة إلى مصر.. أكثر من مشروع تنموي
تزداد أهمية «جوليوس نيريري» بالنسبة إلى القاهرة بسبب موقع تنزانيا داخل منظومة دول حوض النيل.
لكن التعامل المصري مع المشروع حمل رسالة واضحة: دعم التنمية في دول حوض النيل لا يعني التخلي عن المصالح والحقوق المائية المصرية.
وفي تصريحاته قبيل الافتتاح، أكد مدبولي أن نجاح المشروع يدحض ما وصفه بما كان يُثار حول معارضة مصر للتنمية في دول حوض النيل، مشددًا في الوقت نفسه على أن نهر النيل «أمر وجودي» بالنسبة لمصر، وأن القاهرة تدعم التنمية في دول الحوض بما لا يضر بمصالح مصر والسودان، دولتي المصب.
وهذه المعادلة هي أحد أهم مفاتيح فهم الحضور المصري في المشروع: القاهرة تريد أن تؤكد أن بإمكانها أن تكون شريكًا في تنمية دول حوض النيل، وفي الوقت نفسه تتمسك بمصالحها المائية.
من السد العالي إلى جوليوس نيريري
يحمل المشروع كذلك قيمة رمزية بالنسبة إلى الخبرة المصرية.
فمصر، التي ارتبط تاريخها الحديث بمشروعات مائية وكهربائية كبرى مثل السد العالي، أصبحت شركاتها اليوم تنفذ مشروعًا عملاقًا للطاقة الكهرومائية في دولة أفريقية.
ولهذا قال مدبولي إن المشروع يقترب من السد العالي المصري من حيث إجمالي الطاقة المنتجة، في إشارة إلى حجم المشروع وأهميته بالنسبة إلى تنزانيا.
والرسالة هنا ليست أن «جوليوس نيريري» مشروع مصري؛ فهو مشروع تنزاني مقام على نهر روفيجي داخل الأراضي التنزانية، لكن تنفيذه بواسطة تحالف مصري يجعل الخبرة المصرية جزءًا أساسيًا من قصة نجاحه.
وهذه نقطة مهمة في التوصيف الصحفي: الأدق أن يقال «مشروع تنزاني تنفذه شركات مصرية»، وليس «سد مصري في تنزانيا».
خمس سنوات من العمل.. وآلاف المصريين في قلب المشروع
وراء الأرقام الضخمة قصة بشرية أيضًا.
نحو 1700 مهندس وفني مصري عملوا ضمن فريق ضخم بلغ نحو 12 ألف عامل، في مشروع احتاج إلى خبرات متعددة في الإنشاءات والهندسة والطاقة والميكانيكا والكهرباء وإدارة المياه.
وهؤلاء لم يكونوا مجرد عمالة مشاركة في مشروع خارجي؛ فقد حملوا معهم صورة الخبرة المصرية إلى واحدة من أهم دول شرق أفريقيا.
ولهذا اكتسب المشروع وصفًا متكررًا في الخطاب المصري باعتباره «سفيرًا» للخبرة المصرية في أفريقيا.




