الثلاثاء 18 أغسطس 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
تحليل

من جراح الجنيه إلى ملامح التعافي.. حسن عبدالله يبدأ عاما جديدا في معركة استقرار الاقتصاد

الثلاثاء 18/أغسطس/2026 - 03:56 م
السيد حسن عبدالله
السيد حسن عبدالله

في واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ الاقتصاد المصري الحديث، وصل حسن عبدالله إلى مقعد محافظ البنك المركزي في أغسطس 2022، بينما كانت الأسواق تواجه ضغوطا متزايدة على سعر الصرف، وارتفاعًا كبيرًا في معدلات التضخم، وتحديات مرتبطة بتوفير العملة الأجنبية.

وبعد أربع سنوات تقريبا، يبدأ عبدالله دورة جديدة في قيادة البنك المركزي، عقب تجديد تعيينه لمدة عام اعتبارا من 18 أغسطس 2026، لتفتح أمامه صفحة جديدة من الملفات الاقتصادية، بعدما شهدت السنوات الماضية تحولات مهمة في السياسة النقدية وسوق الصرف والاحتياطيات الدولية.

من أزمة الدولار إلى سوق أكثر مرونة

كان ملف سعر الصرف من أصعب الاختبارات أمام البنك المركزي خلال الفترة الماضية، خصوصًا مع اتساع الفجوة بين سعر الدولار الرسمي والسوق الموازية خلال مراحل من الأزمة.

وفي مارس 2024، اتجه البنك المركزي إلى تبني سعر صرف أكثر مرونة، مع ترك مساحة أكبر لقوى العرض والطلب في تحديد سعر الجنيه، بالتزامن مع إجراءات اقتصادية ومالية واسعة.

ومع مرور الوقت، شهد سوق النقد الأجنبي تحسنًا ملحوظًا، وأصبح توفير العملة الأجنبية عبر الجهاز المصرفي أكثر انتظامًا، وهو ما مثل تحولًا مهمًا مقارنة بالفترات التي شهدت نقصًا حادًا في الدولار.

الاحتياطي النقدي.. من رقم مهم إلى مستوى تاريخي

أحد أبرز المؤشرات التي تعكس التحسن في قدرة الاقتصاد على توفير العملة الأجنبية هو الاحتياطي الدولي.

وبحسب بيانات البنك المركزي، ارتفع صافي الاحتياطيات الدولية إلى 55.07 مليار دولار بنهاية يونيو 2026 بصورة مبدئية، وهو مستوى تاريخي جديد، بعدما كان قد سجل 52.59 مليار دولار بنهاية يناير من العام نفسه.

وفي فبراير 2026، أكد حسن عبدالله أن الاحتياطيات وصلت إلى نحو 52.6 مليار دولار في يناير، بما يغطي احتياجات الاستيراد لنحو 6.3 شهر، مع التأكيد على أهمية تحسين جودة الاحتياطي وليس فقط زيادة قيمته.

وهنا يظهر أحد أهم التحديات التي تحولت إلى نقطة قوة نسبيًا خلال الفترة الماضية: امتلاك الاقتصاد المصري مخزونًا أكبر من العملات الأجنبية يمكنه من مواجهة الصدمات الخارجية وتمويل الاحتياجات الأساسية.

التضخم.. المعركة الأصعب

ربما كان التضخم هو الملف الأكثر ارتباطًا بحياة المواطن اليومية، من أسعار الغذاء والسلع إلى تكلفة الخدمات والتمويل.

وخلال الفترة الماضية، تراجع التضخم بصورة كبيرة من المستويات المرتفعة التي سجلها في ذروة الأزمة. وقال حسن عبدالله في فبراير 2026 إن الإجراءات الاقتصادية ساهمت في انخفاض التضخم من نحو 40% إلى قرابة 12%، وهو ما اعتبره عاملًا مهمًا في استعادة الثقة بالاقتصاد المصري.

وبالتوازي، أصبح البنك المركزي أكثر تركيزًا على إطار استهداف التضخم، مع تحديد مستهدف عند 7% بمتوسط الربع الرابع من 2026، بهامش ±2 نقطة مئوية.

لكن انخفاض التضخم لا يعني أن الأسعار عادت إلى مستوياتها السابقة؛ فالتضخم يقيس سرعة ارتفاع الأسعار، وليس انخفاض الأسعار نفسها. ولذلك تظل المعركة الحقيقية هي الحفاظ على معدل منخفض ومستقر للتضخم خلال السنوات المقبلة.

خفض الفائدة.. بداية مرحلة جديدة

مع تحسن مسار التضخم والظروف النقدية، بدأ البنك المركزي في التحرك تدريجيًا نحو تيسير السياسة النقدية.

وفي فبراير 2026، قررت لجنة السياسة النقدية خفض أسعار العائد الأساسية بمقدار 100 نقطة أساس، ليصل سعر عائد الإيداع لليلة واحدة إلى 19% والإقراض إلى 20%، كما خُفضت نسبة الاحتياطي النقدي الإلزامي للبنوك من 18% إلى 16%.

ويمثل خفض الفائدة مرحلة مهمة، لأنه يفتح المجال أمام تقليل تكلفة التمويل تدريجيًا، ودعم الاستثمار والقطاع الخاص، بشرط استمرار السيطرة على التضخم وعدم ظهور ضغوط جديدة على سعر الصرف.

استقرار القطاع المصرفي

لم تكن مهمة محافظ البنك المركزي مرتبطة بالدولار والتضخم فقط، فالحفاظ على قوة الجهاز المصرفي كان ملفًا أساسيًا خلال سنوات مليئة بالأزمات.

وشهدت الفترة الماضية استمرار العمل على تعزيز الاستقرار المالي، وتطوير أدوات الرقابة وإدارة المخاطر، إلى جانب دعم التحول الرقمي والشمول المالي.

كما شهد عام 2026 استمرار مشروعات تطوير البنية المصرفية والتكنولوجية، بما في ذلك توجه البنك المركزي نحو الاستفادة من البيانات والتحليلات المتقدمة لتحسين التنبؤ الاقتصادي ودعم قرارات السياسة النقدية.

مصر.. لاعب مصرفي أكبر في إفريقيا

امتد نشاط البنك المركزي خلال قيادة حسن عبدالله إلى تعزيز التعاون مع المؤسسات والبنوك المركزية الإفريقية.

وفي يوليو 2026، استعرض البنك المركزي المصري مع محافظ البنك المركزي في إسواتيني التجربة المصرية في منظومة تداول النقد، ونظام المدفوعات والتسوية الإفريقي PAPSS، إلى جانب مبادرات تتعلق بالذهب والتعاون المصرفي وبناء القدرات.

كما استضافت مصر خلال 2026 فعاليات مرتبطة بالبنك الإفريقي للتصدير والاستيراد، في إطار توجه لتعزيز التجارة والاستثمار والتكامل الاقتصادي داخل القارة.

عام جديد.. والاختبار الأصعب لم ينته

تجديد تعيين حسن عبدالله لا يأتي في نهاية الطريق، بل في بداية مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا.

فالنجاح خلال الفترة المقبلة لن يقاس فقط بحجم الاحتياطي أو سعر الدولار، وإنما بقدرة السياسة النقدية على تحقيق معادلة صعبة: خفض التضخم، الحفاظ على استقرار سوق الصرف، دعم الاحتياطي، توفير التمويل للقطاع الخاص، والحفاظ على قوة الجهاز المصرفي في الوقت نفسه.

والتحدي الأكبر سيكون تحويل الاستقرار الحالي إلى استقرار مستدام، بحيث لا تكون مواجهة الأزمة مجرد إجراء مؤقت، وإنما بداية لاقتصاد أكثر قدرة على امتصاص الصدمات.

وبينما يبدأ حسن عبدالله دورة جديدة على رأس البنك المركزي، تبدو حصيلة السنوات الماضية خليطًا من قرارات صعبة ونتائج بدأت تظهر في مؤشرات الاقتصاد، لكن المرحلة المقبلة ستظل هي الاختبار الحقيقي لاستدامة هذه المكاسب، خصوصًا مع استمرار المخاطر الإقليمية والعالمية وتغيرات أسعار الفائدة وحركة رؤوس الأموال.

من مقعد محافظ البنك المركزي، تبدأ سنة جديدة.. لكن الملفات الثقيلة ما زالت على الطاولة.