لماذا جدد الرئيس تعيين حسن عبد الله محافظًا للبنك المركزي؟
أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قرارًا جمهوريًا بتجديد تعيين حسن عبد الله قائمًا بأعمال محافظ البنك المركزي المصري لمدة عام، ليستمر في قيادة البنك المركزي خلال المرحلة المقبلة، في وقت تظل فيه ملفات التضخم وسعر الصرف والسياسة النقدية واستقرار القطاع المصرفي في مقدمة أولويات الاقتصاد المصري.
ويأتي تجديد التعيين في ظل سجل حافل من التعامل مع ملفات اقتصادية شديدة الحساسية منذ تولي حسن عبد الله مهامه في أغسطس 2022، حيث واجه البنك المركزي خلال هذه الفترة أزمات مرتبطة بنقص السيولة الدولارية، وتقلبات سعر الصرف، وارتفاع معدلات التضخم، إلى جانب تداعيات الأزمات الجيوسياسية العالمية والإقليمية.
وتبرز في هذا السياق مجموعة من الأسباب التي تفسر استمرار حسن عبد الله في قيادة البنك المركزي، وفي مقدمتها الخبرة المصرفية الطويلة، والتعامل مع التحولات الكبرى في السياسة النقدية، إلى جانب الإصلاحات التي شهدها القطاع المصرفي خلال فترة توليه.
خبرة مصرفية طويلة تدعم قيادة البنك المركزي
قبل توليه منصب محافظ البنك المركزي، امتلك حسن عبد الله مسيرة مصرفية طويلة بدأت بانضمامه إلى البنك العربي الأفريقي الدولي عام 1982، وتدرج خلالها في المناصب حتى أصبح نائبًا لرئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب.
وخلال هذه المسيرة شارك في عمليات مهمة داخل القطاع المصرفي، من بينها الإشراف على استحواذ البنك العربي الأفريقي الدولي على بنك مصر أمريكا الدولي عام 2005، إلى جانب قيادة عملية الاستحواذ على محفظة بنك سكوشا بنك في مصر عام 2015.
وتمنحه هذه الخبرة معرفة واسعة بآليات العمل المصرفي واحتياجات القطاع الخاص، وهو ما اعتبرته الخبيرة المصرفية والاقتصادية سهر الدماطي عاملًا مهمًا في قدرته على الربط بين القطاع الخاص والبنك المركزي والوزارات، فضلًا عن نجاحه في بناء الثقة مع أطراف السوق.
إدارة مرنة للسياسة النقدية في مواجهة الأزمات
منذ بداية ولايته، تعامل حسن عبد الله مع السياسة النقدية وفقًا لتطورات الظروف الاقتصادية، فبدأ بتثبيت أسعار الفائدة في اجتماعين، قبل أن يتجه إلى رفعها خلال أواخر 2022، ثم تباطأت وتيرة الرفع خلال 2023، قبل أن يشهد عام 2024 واحدة من أكبر التحركات في أسعار الفائدة بالتزامن مع تغيير نظام سعر الصرف.
وفي المقابل، اتجه البنك المركزي لاحقًا إلى خفض الفائدة خلال 2025، ثم خفضها بمقدار 100 نقطة أساس في فبراير 2026، قبل أن يتجه إلى تثبيتها خلال الاجتماعات التالية، في محاولة لتحقيق التوازن بين السيطرة على التضخم ودعم النشاط الاقتصادي.
ويظهر هذا النهج المرن بصورة أكبر في التعامل مع صدمات سوق الصرف، إذ شهد مارس 2024 تحولًا مهمًا مع السماح للجنيه بالتحرك وفق آليات السوق، وعودة التسعير الفعلي للعملة من خلال سوق الإنتربنك، مع التخلي عن محاولة تثبيت سعر الصرف عند مستوى محدد.
وبحسب المصدر المرفق، ساهمت هذه الإجراءات في اختفاء العلاوة السعرية في السوق الموازية وعودة التدفقات الأجنبية عبر القنوات الرسمية، إلى جانب تخفيف القيود على العملة الأجنبية تدريجيًا مع تحسن السيولة.
إصلاحات مصرفية عززت قوة القطاع
لم تقتصر جهود حسن عبد الله على مواجهة الأزمات الاقتصادية، بل امتدت إلى تطوير الإطار التنظيمي للقطاع المصرفي، ومن أبرز الخطوات إصدار قواعد تنظيمية لمنح تراخيص التكنولوجيا المالية والخدمات المصرفية الرقمية عام 2023، بما ساعد على فتح المجال أمام نمط جديد من الخدمات المصرفية في السوق المصرية.
وخلال فترة توليه، حصل بنك مصر على الموافقة المبدئية ثم النهائية لإطلاق أول بنك رقمي بالكامل في مصر، في خطوة عكست توسع القطاع المصرفي في تبني التكنولوجيا وتطوير الخدمات الرقمية.
كما شهدت إدارة البنك المركزي تحولًا مؤسسيًا مهمًا في ملف السيولة، من خلال التراجع عن تمويل الحكومة والجهات العامة، وإعادة تنظيم عمليات السوق المفتوحة لامتصاص السيولة الفائضة بصورة أكثر منهجية، بما يساعد على إبقاء أسعار الفائدة في سوق التعاملات بين البنوك قريبة من الأسعار الرسمية. ووصف المصدر هذا التحول بأنه من أبرز ملامح إدارة عبد الله للبنك المركزي.
وفي مواجهة الصدمات الخارجية، أظهرت إدارة البنك المركزي قدرة على التعامل مع الضغوط دون عودة السوق الموازية، إذ يشير المصدر إلى أن خروج نحو 10 مليارات دولار من مصر خلال شهر واحد في تداعيات الحرب الإيرانية لم يؤد إلى تكرار السيناريو السابق من حيث تكدس الواردات أو توقف البنوك عن تلبية الطلب على العملة الأجنبية عبر السوق الرسمية.
كما جاء تحسن مؤشرات التضخم ليشكل عنصرًا إضافيًا في تقييم أداء السياسة النقدية، بعدما تراجع التضخم العام لثلاثة أشهر متتالية خلال أبريل ومايو ويونيو 2026، قبل أن يرتفع إلى 14.9% في يوليو.
وبذلك، فإن قرار تجديد تعيين حسن عبد الله يأتي في مرحلة تحتاج إلى استمرار السياسات والإصلاحات التي بدأ تنفيذها خلال السنوات الماضية، خصوصًا في ظل التحديات المتعلقة بالتضخم وسوق الصرف وتدفقات النقد الأجنبي.
اختيار جديد لقدرة البنك المركزي
وتبقى المرحلة المقبلة اختبارًا جديدًا لقدرة البنك المركزي على الحفاظ على الاستقرار النقدي وتعزيز موارد النقد الأجنبي، خاصة مع أهمية تحويلات المصريين بالخارج وعائدات السياحة، إلى جانب العمل على استدامة الإصلاحات التي شهدها القطاع المصرفي.
ويشير المصدر إلى أن اختبار الاستدامة سيكون أكثر وضوحًا مع نهاية عام 2026، بالتزامن مع انتهاء برنامج صندوق النقد الدولي واحتمال تغير وضع بعض الودائع الخليجية، وهو ما سيكشف بدرجة أكبر مدى قدرة الإطار النقدي الحالي على مواصلة تحقيق الاستقرار بعيدًا عن التدفقات الاستثنائية.
وفي ضوء ذلك، يمكن النظر إلى تجديد تعيين حسن عبد الله باعتباره استمرارًا لنهج يستند إلى خبرة مصرفية طويلة، وإدارة مرنة للسياسة النقدية، ومسار من الإصلاحات التنظيمية والمؤسسية، مع استمرار الحاجة إلى الحفاظ على استقرار الأسواق وتحقيق تقدم أكبر في خفض التضخم وتعزيز قوة الاقتصاد المصري.
