صفقة القرن في التوصيل.. كيف تحول "أوبر" تكلفة الاستحواذ إلى مكاسب مستقبلية؟
أثارت صفقة استحواذ شركة أوبر تكنولوجيز على دليفري هيرو اهتمامًا واسعًا في أسواق المال العالمية، بعدما بلغت قيمتها نحو 14.8 مليار دولار، لترتفع إلى قرابة 17 مليار دولار عند احتساب صافي الديون وبعض الالتزامات الأخرى. ورغم ضخامة الرقم، يرى محللون أن الصفقة ليست مرتفعة التكلفة كما تبدو للوهلة الأولى، بل تمثل خطوة استراتيجية قد تمنح "أوبر" مزايا تنافسية كبيرة في سوق خدمات النقل والتوصيل.
وتأتي الصفقة في وقت يشهد فيه قطاع التوصيل العالمي منافسة متزايدة، وضغوطًا على هوامش الأرباح، إلى جانب التحديات التي تفرضها التقنيات الجديدة، وعلى رأسها المركبات ذاتية القيادة، ما يدفع الشركات الكبرى إلى البحث عن التوسع وتحقيق وفورات الحجم.
وفورات التآزر.. السر الحقيقي وراء الصفقة
العامل الأبرز الذي يجعل الصفقة أكثر جاذبية يتمثل في وفورات التآزر بين الشركتين، وهي المكاسب التي تتحقق نتيجة دمج العمليات وتقليل التكاليف.
وتتوقع "أوبر" تحقيق وفورات سنوية تصل إلى 1.2 مليار دولار، من خلال توحيد أنظمة التكنولوجيا، ودمج البنية التشغيلية، وتقليل المصروفات الإدارية، إضافة إلى الاستفادة من زيادة الإيرادات الناتجة عن توسيع قاعدة العملاء.
وبحسب تقديرات محللين، فإن هذه الوفورات تخفض فعليًا تكلفة الصفقة، حيث ينخفض مضاعف تقييم الشركة المستحوذ عليها من نحو 14 مرة إلى 8 مرات فقط بعد احتساب الوفورات المتوقعة، وهو مستوى يعد أقل من متوسط صفقات الاستحواذ المشابهة في قطاع التوصيل.
التوسع في الأسواق العالمية
من أبرز المكاسب التي تحققها "أوبر" من الصفقة توسيع نطاق أعمالها بشكل كبير، إذ سيرتفع عدد الأسواق التي تقدم فيها خدمات النقل التشاركي وتوصيل الطلبات معًا من 34 سوقًا إلى 58 سوقًا.
ويمنح هذا الانتشار الشركة فرصة لتعزيز حصتها السوقية، من خلال تقديم خدمات متكاملة للعملاء، بحيث يستطيع مستخدم تطبيق "أوبر" الاعتماد على المنصة نفسها سواء لحجز رحلة أو طلب وجبة أو توصيل مشتريات.
كما يتيح الدمج الاستفادة من قاعدة العملاء الضخمة لدى الشركتين، وهو ما يزيد من فرص رفع معدلات الاستخدام وتحقيق إيرادات إضافية دون الحاجة إلى استثمارات تسويقية ضخمة.
استعداد لمستقبل المنافسة
لا تقتصر أهمية الصفقة على تعزيز أعمال التوصيل الحالية، بل تمتد إلى الاستعداد لمرحلة جديدة من المنافسة في ظل التوسع المتوقع في استخدام السيارات ذاتية القيادة.
ويرى خبراء أن امتلاك قاعدة واسعة من العملاء وانتشارًا جغرافيًا كبيرًا يمنح "أوبر" أفضلية في مواجهة الشركات التي قد تدخل السوق مستقبلًا مع تطور تقنيات القيادة الذاتية، حيث سيكون بناء شبكة عملاء من الصفر أكثر صعوبة وتكلفة.
كما أن تعزيز حضور الشركة في قطاع التوصيل يمنحها تنوعًا أكبر في مصادر الإيرادات، بما يقلل من اعتمادها على نشاط النقل التشاركي وحده.
مكاسب للمساهمين وتحديات تنظيمية
حصل مساهمو "دليفري هيرو" على عرض استحواذ يفوق متوسط التقييمات السابقة للسهم، وهو ما جعل الصفقة جذابة للمستثمرين، خاصة مع دعم مجلس إدارة الشركة للعرض.
وفي المقابل، تعهدت "أوبر" بتنفيذ بعض الإجراءات لتجاوز المخاوف المتعلقة بقوانين المنافسة، من بينها التخارج من بعض الأنشطة، إضافة إلى الإبقاء على القوى العاملة في مقر "دليفري هيرو" ببرلين لمدة ثلاث سنوات.
ويرى محللون أن هذه الالتزامات لن تؤثر بصورة كبيرة على الجدوى الاقتصادية للصفقة، في ظل المكاسب المتوقعة من دمج الأعمال وتحقيق وفورات التشغيل.
وفي النهاية، تعكس الصفقة توجهًا عالميًا نحو زيادة التركيز في قطاع التوصيل، حيث أصبح الحجم والانتشار الجغرافي عنصرين أساسيين لتحقيق الربحية والنمو. ورغم أن قيمة الاستحواذ تبدو مرتفعة، فإن العوائد المتوقعة، سواء من خفض التكاليف أو التوسع في الأسواق أو زيادة الإيرادات، تجعلها بالنسبة لـ"أوبر" استثمارًا استراتيجيًا طويل الأجل أكثر منها صفقة مكلفة.
