الأحد 12 يوليو 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
تحليل

الأصفر يعيد تشكيل الاقتصاد العالمي

بين تنويع الاحتياطيات وتقاء المخاطر الجيوسياسية.. لماذا تواصل البنوك المركزية شراء الذهب رغم الأسعار المرتفعة؟

السبت 11/يوليو/2026 - 11:36 م
لماذا تواصل البنوك
لماذا تواصل البنوك المركزية شراء الذهب؟

في الوقت الذي يتساءل فيه كثيرون عن أسباب استمرار البنوك المركزية حول العالم في شراء الذهب رغم وصول أسعاره إلى مستويات تاريخية، تبدو الإجابة أبعد من مجرد البحث عن أرباح سريعة. فالذهب لم يعد مجرد معدن ثمين، بل أصبح أحد أهم أدوات إدارة المخاطر وحماية الاحتياطيات في عالم يشهد تغيرات جيوسياسية واقتصادية متسارعة.

وخلال عام 2026، كشفت بيانات مجلس الذهب العالمي عن استمرار الطلب الرسمي على المعدن الأصفر، في وقت تتغير فيه خريطة الاحتياطيات العالمية، مع اتجاه عدد متزايد من الدول إلى تقليل الاعتماد على الأصول التقليدية، وفي مقدمتها السندات الأمريكية، لصالح الذهب باعتباره أصلًا استراتيجيًا طويل الأجل.

الذهب.. من ملاذ آمن إلى ركيزة للاحتياطيات النقدية

لم تعد البنوك المركزية تنظر إلى الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا فقط أثناء الأزمات، بل أصبح عنصرًا رئيسيًا في بناء الاحتياطيات النقدية.

ويشير أحدث استطلاع لمجلس الذهب العالمي، الصادر في يونيو 2026، إلى أن 89% من مديري الاحتياطيات يتوقعون استمرار زيادة حيازات البنوك المركزية من الذهب خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة، بينما أكد 45% من المشاركين أنهم يعتزمون زيادة احتياطيات مؤسساتهم من المعدن النفيس، وهي أعلى نسبة يتم تسجيلها منذ بدء الاستطلاع.

كما يرى 83% من مسؤولي الاحتياطيات أن الذهب سيشكل نسبة أكبر من الاحتياطيات العالمية خلال السنوات الخمس المقبلة، وهو ما يعكس تحولًا واضحًا في النظرة إلى المعدن الأصفر باعتباره أصلًا استراتيجيًا وليس مجرد وسيلة للتحوط.

أرقام 2026 تؤكد استمرار الشراء رغم تقلبات الأسعار

تكشف بيانات مجلس الذهب العالمي أن البنوك المركزية أضافت 244 طنًا من الذهب خلال الربع الأول من 2026، بزيادة مقارنة بالربع السابق، بينما سجل شهر مايو وحده صافي مشتريات بلغ 41 طنًا. وتصدرت بولندا وأوزبكستان والصين قائمة المشترين خلال الفترة الأخيرة.

وفي الصين، واصل البنك المركزي تعزيز احتياطياته للشهر العشرين على التوالي، مضيفًا نحو 15 طنًا في يونيو، لترتفع الاحتياطيات إلى 75.44 مليون أوقية، رغم تراجع أسعار الذهب عالميًا خلال الشهر نفسه.

ويرى محللون أن استمرار الشراء خلال فترات الهبوط السعري يعكس استراتيجية طويلة الأجل، تهدف إلى تنويع الاحتياطيات وتقليل التعرض لتقلبات العملات الأجنبية، وليس المضاربة على الأسعار.

لماذا تشتري البنوك الذهب الآن؟

هناك عدة عوامل تدعم هذا الاتجاه، أبرزها:

  • تنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على الدولار والأصول المقومة به.
  • التحوط من المخاطر الجيوسياسية والتوترات الدولية.
  • مواجهة احتمالات ارتفاع التضخم عالميًا.
  • تعزيز الثقة في المراكز المالية للدول.
  • حماية الاحتياطيات من تقلبات أسواق السندات والعملات.

ويؤكد مجلس الذهب العالمي أن الذهب تجاوز في نظر كثير من البنوك المركزية دوره التقليدي، ليصبح أحد أهم مكونات إدارة الاحتياطيات السيادية في المرحلة الحالية.

ماذا يحدث لأسعار الذهب الآن؟

رغم استمرار مشتريات البنوك المركزية، شهد الذهب خلال الأسابيع الأخيرة ضغوطًا نتيجة قوة الدولار الأمريكي وتوقعات استمرار أسعار الفائدة المرتفعة، إذ جرى تداول الأوقية قرب 4100 دولار بنهاية الأسبوع، بينما خفض بنك HSBC توقعاته لمتوسط أسعار الذهب خلال 2026، مع تأكيده أن الطلب الرسمي من البنوك المركزية سيظل أحد أهم عوامل دعم السوق على المدى الطويل.

وبحسب مجلس الذهب العالمي، فإن النصف الثاني من عام 2026 سيظل مرتبطًا بثلاثة متغيرات رئيسية: مسار أسعار الفائدة الأمريكية، والتوترات الجيوسياسية، واستمرار الطلب الرسمي على الذهب من البنوك المركزية.

هل تستمر موجة الشراء؟

تشير المؤشرات الحالية إلى أن البنوك المركزية لا تتعامل مع الذهب باعتباره استثمارًا قصير الأجل، بل أصلًا استراتيجيًا يهدف إلى تعزيز الاستقرار المالي على المدى الطويل. لذلك، فإن استمرار الشراء حتى مع الأسعار المرتفعة يعكس تغيرًا هيكليًا في إدارة الاحتياطيات العالمية، وهو اتجاه يتوقع خبراء الأسواق أن يظل حاضرًا خلال السنوات المقبلة، خاصة مع استمرار حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي.