الأحد 28 يونيو 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
تحليل

هل تنجح بكين في إعادة التوازن لاقتصادها؟ خبراء يحذرون من الاعتماد المفرط على الصادرات

الأحد 28/يونيو/2026 - 09:48 ص
الصادرات الصينية
الصادرات الصينية

رغم الأداء القوي الذي حققته الصادرات الصينية خلال الأشهر الماضية، تتزايد المؤشرات التي تشير إلى أن ثاني أكبر اقتصاد في العالم لا يزال يواجه تحديات هيكلية تعرقل مسار التعافي الكامل، وسط تباطؤ واضح في الطلب المحلي، واستمرار أزمة القطاع العقاري، وغياب إجراءات تحفيزية قوية من جانب السلطات النقدية والمالية.

ويرى الكاتب الاقتصادي دانيال موس أن الوقت لا يزال مبكرًا للاطمئنان إلى تعافي الاقتصاد الصيني، مؤكدًا أن البيانات الاقتصادية الأخيرة تكشف عن اختلال واضح في مصادر النمو، إذ يعتمد الاقتصاد بصورة متزايدة على الطلب الخارجي، بينما تظل المحركات المحلية، وعلى رأسها الاستهلاك والاستثمار العقاري، تعاني ضعفًا ملحوظًا.

الصادرات تنقذ النمو.. لكن الاستهلاك المحلي يتراجع

شهدت الأشهر الأولى من عام 2026 موجة من التفاؤل بشأن الاقتصاد الصيني بعد تسجيل معدلات نمو قوية، إلا أن هذا التفاؤل بدأ يتراجع مع صدور بيانات مايو التي أظهرت تباطؤًا في النشاط الاقتصادي المحلي.

وسجلت مبيعات التجزئة تراجعًا بنسبة 0.6%، في أسوأ أداء منذ إعادة فتح الاقتصاد عقب جائحة كورونا، وبما يفوق ثلاثة أضعاف توقعات الأسواق، وهو ما يعكس استمرار ضعف ثقة المستهلكين وتردد الأسر الصينية في زيادة الإنفاق رغم الإجراءات الحكومية السابقة لدعم الاستهلاك.

ويشير هذا الأداء إلى أن الاقتصاد الصيني لا يزال يعتمد بصورة كبيرة على الأسواق الخارجية لتعويض ضعف الطلب الداخلي، وهو النموذج الذي سعت بكين منذ سنوات إلى تغييره من خلال تعزيز دور الاستهلاك المحلي في دفع النمو الاقتصادي.

أزمة العقارات تعود إلى الواجهة

لم تقتصر مؤشرات الضعف على الاستهلاك فقط، بل امتدت أيضًا إلى سوق العقارات الذي يمثل أحد أهم محركات الاقتصاد الصيني.

فقد تراجعت مبيعات المنازل الجديدة بصورة ملحوظة، كما انخفضت مؤشرات الاستثمار العقاري، لتتبدد الآمال التي ظهرت مؤخرًا بشأن انتهاء أسوأ أزمة يشهدها القطاع منذ سنوات.

ورغم تحسن محدود في بعض المدن الكبرى، فإن هذا التعافي ظل محدود النطاق، ولم ينعكس على السوق العقارية ككل، وهو ما يثير مخاوف من استمرار الضغوط على الشركات العقارية والقطاع المالي خلال الفترة المقبلة.

ويؤكد محللون أن استمرار أزمة العقارات ينعكس مباشرة على ثقة المستهلكين، باعتبار أن العقار يمثل جزءًا كبيرًا من ثروات الأسر الصينية، وبالتالي فإن تراجع أسعاره يقلل من الميل إلى الإنفاق والاستثمار.

انتقادات لسياسة البنك المركزي

في الوقت الذي تتزايد فيه المؤشرات السلبية، يرى دانيال موس أن بنك الشعب الصيني أضاع فرصة مهمة لإرسال رسالة قوية للأسواق بشأن استعداده لدعم الاقتصاد.

فقد ركز محافظ البنك على تعديل آلية أسعار الفائدة دون الإشارة إلى احتمال خفضها قريبًا، رغم تزايد الدعوات لاتخاذ خطوات أكثر جرأة لتحفيز النشاط الاقتصادي.

ويرى الخبراء أن خفض أسعار الفائدة قد يسهم في تقليل تكلفة الاقتراض، ودعم الاستثمار، وتنشيط سوق الإسكان، خاصة في ظل بقاء معدلات التضخم عند مستويات منخفضة تقترب من 1%، وهو ما يمنح السلطات النقدية مساحة أوسع للتحرك دون مخاطر تضخمية كبيرة.

السياسة المالية تتجه إلى التقشف بدلًا من التحفيز

ولا تقتصر الانتقادات على السياسة النقدية، إذ يشير التقرير إلى أن الحكومة الصينية تتبع نهجًا ماليًا أكثر تحفظًا، بعدما سجل العجز المالي انخفاضًا خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، وهو تطور غير معتاد في ظل تباطؤ النشاط الاقتصادي.

ويرى اقتصاديون أن الاقتصاد الصيني يحتاج إلى تنسيق أكبر بين أدوات السياسة النقدية والمالية، بحيث تعمل معًا لدعم النمو بدلاً من أن يؤدي تشديد السياسة المالية إلى تقليص أثر أي إجراءات نقدية مستقبلية.

كما يؤكد الخبراء أن تعزيز الإنفاق الحكومي على البنية التحتية والاستهلاك وبرامج دعم الأسر قد يكون أكثر فاعلية في تنشيط الاقتصاد خلال المرحلة الحالية.

دروس من تجربة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي

استحضر دانيال موس تجربة الرئيس السابق للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي آلان غرينسبان، الذي قرر في عام 2003 خفض أسعار الفائدة بصورة استباقية، ليس بسبب دخول الاقتصاد في أزمة فعلية، وإنما لمنع تدهور الأوضاع قبل حدوثه.

ويرى أن هذا النهج الوقائي قد يكون مناسبًا للصين في المرحلة الحالية، خاصة مع تراجع مؤشرات النشاط الاقتصادي واستمرار المخاطر المرتبطة بالانكماش وضعف الطلب الداخلي.

فالتحرك المبكر، بحسب الخبراء، يمنح الاقتصاد فرصة لاستعادة الزخم قبل أن تتفاقم المشكلات وتصبح تكلفة معالجتها أعلى.

تحقيق هدف النمو لا يعني انتهاء المخاطر

ورغم أن الحكومة الصينية خفضت مستهدف النمو لعام 2026 إلى نطاق يتراوح بين 4.5 و5%، فإن تحقيق هذا الهدف لا يعني بالضرورة أن الاقتصاد أصبح أكثر قوة أو توازنًا.

فقد يساعد الأداء القوي خلال الربع الأول على بلوغ الهدف السنوي حتى مع تباطؤ النشاط خلال بقية العام، إلا أن هذا السيناريو يخفي وراءه اختلالات هيكلية، أبرزها الاعتماد المفرط على الصادرات وضعف مساهمة الاستهلاك المحلي.

ويؤكد أعضاء في لجنة السياسة النقدية الصينية أن إعادة التوازن للاقتصاد تمثل أولوية استراتيجية، من خلال تعزيز الطلب الداخلي، وتقوية دخول الأسر، وتحفيز الإنفاق، وتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية التي تظل عرضة للتقلبات الاقتصادية والجيوسياسية.

مستقبل الاقتصاد الصيني بين الإصلاح والتحفيز

يرى محللون أن الاقتصاد الصيني يقف عند مفترق طرق، فإما أن تتبنى بكين حزمة إصلاحات وتحفيز اقتصادي تعيد تنشيط الطلب المحلي وتدعم سوق العقارات والاستثمار، أو تستمر في الاعتماد على قوة الصادرات لتحقيق النمو، وهو نموذج قد يحقق نتائج جيدة على المدى القصير لكنه يحمل مخاطر كبيرة على الاستقرار الاقتصادي في المستقبل.

ويؤكد الخبراء أن النمو المستدام لا يتحقق عبر قطاع واحد فقط، بل يتطلب اقتصادًا متوازنًا تقوده الاستثمارات والإنتاج والاستهلاك المحلي معًا، وهو التحدي الأكبر الذي ستواجهه الصين خلال السنوات المقبلة.