من الخسائر إلى المكاسب.. الجنيه المصري يلتقط أنفاسه أمام الدولار
مع بداية النصف الثاني من عام 2026، يواصل الجنيه المصري إرسال رسائل قوة إلى الأسواق، بعدما نجح في استعادة جزء معتبر من خسائره أمام الدولار خلال فترة قصيرة، مدعوما بتحسن التدفقات الدولارية وتراجع حدة التوترات الجيوسياسية، إلى جانب الدور المحوري الذي يلعبه البنك المركزي المصري في إدارة السياسة النقدية والحفاظ على استقرار سوق الصرف.
فبعد أشهر من الضغوط والتقلبات، عاد الدولار للتراجع دون مستوى 50 جنيهًا لأول مرة منذ أكثر من ثلاثة أشهر، ليسجل نحو 49.86 جنيه للشراء و49.96 جنيه للبيع، في تطور اعتبره خبراء الاقتصاد مؤشرا على تحسن الثقة في العملة المحلية وعودة التوازن التدريجي إلى سوق النقد الأجنبي.
الدولار يتراجع.. والجنيه يسترد قوته
شهدت الأيام الأخيرة ارتفاعا ملحوظا في قيمة الجنيه المصري، إذ استعاد نحو 4% من قيمته خلال أربعة أيام فقط، فيما تجاوزت مكاسبه 7% منذ بداية مايو الماضي، ليصبح من بين العملات الأفضل أداء على مستوى الأسواق الناشئة خلال الفترة الأخيرة.
ويأتي هذا التحسن بعد موجة هبوط سابقة تعرض لها الجنيه مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة، والتي دفعت المستثمرين الأجانب إلى تقليص استثماراتهم مؤقتًا والخروج من بعض الأسواق الناشئة، قبل أن تعود الثقة تدريجيا مع انحسار المخاطر وتحسن المؤشرات الاقتصادية.
التدفقات الأجنبية تعود بقوة
أحد أهم الأسباب وراء صعود الجنيه يتمثل في عودة الاستثمارات الأجنبية إلى أدوات الدين الحكومية، حيث سجلت مشتريات المستثمرين الأجانب في أذون الخزانة المصرية ارتفاعًا كبيرًا خلال الفترة الأخيرة.
وتشير البيانات إلى قفزة بنسبة 162% في مشتريات الأجانب بالسوق الثانوية لأذون الخزانة، لتصل إلى نحو 2.75 مليار دولار، وهو ما وفر سيولة دولارية كبيرة ساهمت في تخفيف الضغوط على سوق الصرف.
الأكثر أهمية أن السوق انتقلت من صافي خروج للأموال الأجنبية بلغ نحو 5.6 مليار دولار خلال شهري فبراير ومارس، إلى صافي دخول يتراوح بين 6 و7 مليارات دولار خلال آخر شهرين ونصف، وهو تحول يعكس عودة شهية المستثمرين للأصول المصرية.
تحويلات المصريين بالخارج.. كلمة السر
لم يكن المستثمرون الأجانب وحدهم العامل المؤثر في دعم الجنيه، فهناك مصدر آخر لا يقل أهمية وهو تحويلات المصريين العاملين بالخارج، فقد سجلت التحويلات مستوى قياسيًا بلغ نحو 39.2 مليار دولار، وهو أعلى مستوى تاريخي، ما وفر تدفقات مستمرة من النقد الأجنبي وساهم في تعزيز قدرة الاقتصاد المصري على تلبية احتياجاته التمويلية.
ويرى محللون أن قرار تحرير سعر الصرف والقضاء على السوق الموازية كان له دور كبير في تشجيع المصريين بالخارج على توجيه تحويلاتهم عبر القنوات الرسمية، الأمر الذي عزز الاحتياطي الأجنبي ورفع كفاءة إدارة سوق النقد.
احتياطي قوي يعزز الثقة
وفي الوقت نفسه، واصل الاحتياطي النقدي الأجنبي لدى البنك المركزي المصري تسجيل مستويات مرتفعة، ليصل إلى نحو 53.1 مليار دولار، ويمنح هذا الاحتياطي المركزي المصري مساحة واسعة للتعامل مع أي تقلبات محتملة في سوق الصرف أو الأسواق العالمية، كما يعزز ثقة المستثمرين والمؤسسات الدولية في قدرة الاقتصاد المصري على الوفاء بالتزاماته الخارجية.
البنك المركزي.. اللاعب الأهم
ورغم أهمية التدفقات الأجنبية وتحويلات المصريين بالخارج، فإن الدور الذي لعبه البنك المركزي المصري يظل العامل الأكثر تأثيرًا في هذا التحول، فمنذ تحرير سعر الصرف، تبنى المركزي سياسة أكثر مرونة في إدارة سوق النقد، مع العمل على ضبط السيولة والحفاظ على استقرار الأسعار، إلى جانب توفير بيئة جاذبة للاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين الحكومية.
كما ساهمت السياسة النقدية المتوازنة في استعادة الثقة تدريجيا لدى المستثمرين المحليين والأجانب، وهو ما انعكس على استقرار سعر الصرف وتحسن أداء الجنيه خلال الفترة الأخيرة.
ويرى اقتصاديون أن نجاح البنك المركزي في امتصاص الصدمات الخارجية وإدارة موجات خروج ودخول الأموال الساخنة ساعد على تجنب تقلبات حادة في سعر العملة، وأعطى الأسواق رسالة واضحة بأن الاقتصاد المصري يمتلك أدوات فعالة للحفاظ على الاستقرار.
هل يستمر صعود الجنيه؟
يبقى السؤال الأهم: هل يواصل الجنيه المصري رحلة الصعود أمام الدولار؟ الإجابة ترتبط بعدة عوامل، أبرزها استمرار تدفق الاستثمارات الأجنبية، والحفاظ على معدلات مرتفعة لتحويلات المصريين بالخارج، إلى جانب تطورات الأوضاع الجيوسياسية العالمية والإقليمية.
لكن المؤكد أن ما يحدث حاليا في سوق الصرف لا يعكس مجرد تراجع مؤقت للدولار، بل يشير إلى إعادة توازن تدريجية للاقتصاد المصري، مدعومة بإصلاحات نقدية ومالية بدأت تؤتي ثمارها، في وقت يترقب فيه المستثمرون والمواطنون على حد سواء ما إذا كان "الجنيه العفي" سيواصل رفع رأسه أمام الدولار خلال الأشهر المقبلة أم لا.





