المصارف الرقمية في الشرق الأوسط تتوسع وتعزز رهانها على السوق المصرية
أعلن البنك التجاري الدولي، أكبر بنوك القطاع الخاص في السوق المصرية، عن عزمه إطلاق مصرفه الرقمي الجديد تحت اسم يومو خلال الربع الأخير من عام 2026، مما يعد مؤشراً قوياً على تسارع وتيرة التنافس في قطاع المصارف الرقمية على مستوى منطقة الشرق الأوسط.
ويأتي هذا الإعلان بعد مرور عامين تقريباً على قيام البنك المركزي المصري بوضع الضوابط والقواعد المنظمة لتراخيص البنوك الرقمية، والتي تتيح تقديم منظومة متكاملة من الخدمات المصرفية دون الحاجة إلى تأسيس فروع تقليدية، حيث تلت هذه القواعد حصول شركة مصر للابتكار الرقمي التابعة لبنك مصر على الموافقة الرسمية لإطلاق وان بنك كأول مصرف رقمي بالكامل في البلاد.
وبهذه الخطوة الإستراتيجية، تنضم مصر إلى مشهد إقليمي تنافسي تقوده المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، حيث تحول الاعتماد على التقنيات المصرفية من مجرد خدمات ترويجية أو تطبيقات موازية إلى جزء رئيسي من البنية التنافسية للقطاع المالي لمحاكاة النماذج العالمية الناجحة.
ويسهم في تعزيز هذا التوجه عدة عوامل رئيسية، في مقدمتها تفضيلات فئة الشباب من جيل زد، وسعي المصارف التقليدية للمحافظة على علاقتها اليومية المباشرة مع المتعاملين وحمايتها من الانتقال إلى منصات تكنولوجية خارج النظام المصرفي المعمول به.
ويتوزع الهيكل الحالي لهذه المصارف في المنطقة بين واجهات رقمية انطلقت من رحم مؤسسات مصرفية قائمة تستند إلى ملاءة مالية وخبرة تنظيمية وثقة مستمدة من المجموعة الأم، مثل منصات لف التابعة للامارات دبي الوطني، وإلى التابع لـ بنك المؤسسة العربية المصرفية، وريفليكت التابع للبنك العربي، ومشرق نيو التابع لبنك المشرق، وبين كيانات مستقلة تماماً تم ترخيصها كمصارف رقمية مستقلة دون فروع مثل دي 360 في السعودية، وزاند وويو في الإمارات.
ووفقاً لتقارير مؤسسة سيتي المالية، فإن تأسيس مصارف رقمية منفصلة يتيح للمؤسسات التقليدية فرصة للتخلص من قيود وتكاليف الأنظمة التقنية القديمة، وبناء نماذج تشغيلية مرنة وبكلفة منخفضة تحاكي أسلوب عمل شركات التكنولوجيا المالية وتجذب الشرائح الشابة.
وتشير البيانات الصادرة عن مؤسسة ماكينزي إلى نمو متسارع لقطاع التكنولوجيا المالية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تجاوز عدد الشركات العاملة 1000 شركة، بإجمالي استثمارات بلغت 1.9 مليار دولار عبر 237 صفقة خلال عامي 2023 و2024، وسط توقعات بنمو الإيرادات بنسبة 35% سنوياً حتى عام 2028.
ورغم هذه القفزات، تظهر تقديرات جمعية التكنولوجيا المالية في المنطقة أن حصة هذه الشركات من إيرادات العمل المصرفي في الخليج لا تزال تتراوح بين 1% و2% مقارنة بنحو 3% إلى 5% في الأسواق العالمية الأكثر نضجاً مثل الولايات المتحدة وبريطانيا، مما يفسر سعي المصارف الرقمية لتحديد شرائح ربحية محددة وغير مخدومة بدقة لبناء نماذج مخصصة لها.
السعودية و الإمارات الأكثر تقدما
وتعد السعودية والإمارات الأكثر تقدماً في التحول نحو تشغيل الكيانات الرقمية، ففي المملكة تضاعف عدد شركات التكنولوجيا المالية ليصل إلى 301 شركة بحلول عام 2025 مقارنة بنحو 20 شركة فقط في عام 2019 بموجب مستهدفات رؤية 2030، بالتزامن مع استحواذ المدفوعات الإلكترونية على 85% من تعاملات التجزئة، وبروز لاعبين مثل إس تي سي بنك وفيجن بنك وإي زي بنك، فضلاً عن إعلان مصرف دي 360 الرقمي تجاوز قاعدة عملائه مليوني مستخدم خلال 10 أشهر من إطلاقه التجاري.
وفي الإمارات، تتكامل المنصات الرقمية المستقلة والتابعة مع بيئة تمويلية قوية جذبت 265 مليون دولار لشركات التكنولوجيا المالية في عام 2024، تزامناً مع دخول لاعبين عالميين مثل ريفولوت التي نالت موافقة مبدئية لتقديم خدمات المحافظ الإلكترونية في عام 2025.
السوق المصري ساحة اختبار
وفي المقابل، تمثل السوق المصرية ساحة اختبار بالغة الأهمية للنموذج الرقمي بالمنطقة، مستفيدة من القفزة الكبيرة في معدلات الشمول المالي التي وصلت إلى 77.6% بنهاية عام 2025، مما يجعل التنافس الحقيقي مرتكزاً على القدرة على تحويل تلك الشرائح الواسعة إلى عملاء فاعلين ومربحين.
وتؤكد التحليلات الاقتصادية أن المحك الفعلي لنجاح البنوك الرقمية لا يتوقف عند أعداد الحسابات المفتوحة أو مرات تحميل التطبيقات، بل يقاس بمدى قدرتها على إغلاق فجوة الودائع والتحول إلى الحساب المصرفي الرئيسي والأساسي للمتعامل الذي يستقبل راتبه ويدخر أمواله ويدير عبره معاملاته الائتمانية والتمويلية المستدامة.
