زيارة ترامب إلى الصين.. انفراجة سياسية أم تنافس مستتر؟
تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة والصين مرحلة دقيقة تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع التنافس الجيوسياسي، وذلك بالتزامن مع زيارة دونالد ترامب إلى العاصمة الصينية بكين، والتي تعد أول زيارة لرئيس أمريكي إلى الصين منذ تسع سنوات، والثانية لترامب منذ عام 2017.
وتأتي القمة وسط تساؤلات واسعة بشأن مستقبل العلاقات بين أكبر اقتصادين في العالم، وما إذا كانت المباحثات ستقود إلى مرحلة جديدة من التعاون، أم أنها مجرد محاولة لإدارة خلافات عميقة تتعلق بالتجارة والتكنولوجيا والنفوذ العالمي.
الاقتصاد في صدارة المشهد
يركز الجانبان خلال القمة على الملفات الاقتصادية باعتبارها الأكثر إلحاحاً، خاصة بعد سنوات من التوتر التجاري والرسوم الجمركية المتبادلة التي أثرت على حركة التجارة العالمية وأسواق المال.
وتسعى واشنطن إلى تقليص العجز التجاري مع الصين، إلى جانب ضمان وصول الشركات الأمريكية إلى الأسواق الصينية بشروط أكثر عدالة، بينما تحاول بكين الحفاظ على استقرار صادراتها وتعزيز مكانتها كمركز صناعي عالمي.
ويرى مراقبون أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين باتت معقدة للغاية، إذ يصعب على أي طرف الانفصال الكامل عن الآخر، في ظل تشابك سلاسل التوريد والاستثمارات والتجارة العابرة للحدود.
التكنولوجيا.. ساحة المنافسة الأخطر
رغم الحديث عن التعاون، يبقى ملف التكنولوجيا أحد أبرز نقاط الخلاف بين الجانبين، خصوصاً في مجالات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والاتصالات المتقدمة.
وتواصل الولايات المتحدة فرض قيود على تصدير التقنيات المتطورة إلى الشركات الصينية، في محاولة للحد من التقدم التكنولوجي لبكين، بينما تعمل الصين على تسريع خطط الاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية.
ويخشى خبراء الاقتصاد من أن يؤدي استمرار هذا التنافس إلى انقسام النظام التكنولوجي العالمي إلى معسكرين منفصلين، بما ينعكس على التجارة والاستثمارات والابتكار العالمي.
تايوان والأمن الإقليمي
لا تغيب القضايا الجيوسياسية عن جدول أعمال القمة، وفي مقدمتها ملف تايوان، الذي يمثل نقطة التوتر الأكثر حساسية بين واشنطن وبكين.
فالصين تعتبر تايوان جزءاً من أراضيها وترفض أي دعم عسكري أو سياسي أمريكي للجزيرة، بينما تؤكد الولايات المتحدة التزامها بدعم تايبيه وتعزيز قدراتها الدفاعية.
ويخشى المجتمع الدولي من أن يتحول التصعيد حول تايوان إلى أزمة عالمية تهدد استقرار الاقتصاد الدولي، نظراً لأهمية الجزيرة في صناعة الرقائق الإلكترونية وسلاسل الإمداد العالمية.
تعاون رغم الخلافات
ورغم حدة التنافس، يدرك الطرفان أن استمرار القطيعة الاقتصادية أو السياسية قد يضر بمصالحهما المشتركة، خاصة في ظل التحديات العالمية المتعلقة بالطاقة والتضخم والتغير المناخي وأمن سلاسل التوريد.
كما تسعى الصين إلى تقديم نفسها كشريك اقتصادي مستقر يدعم التعددية التجارية، في حين تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على قيادتها للنظام الاقتصادي العالمي دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع بكين.
ويرى محللون أن القمة قد تفتح الباب أمام تفاهمات محدودة في بعض الملفات، لكنها لن تنهي الصراع الاستراتيجي طويل الأمد بين القوتين.
مستقبل العلاقة بين القوتين
تعكس قمة بكين وواشنطن حقيقة أن العلاقة بين الولايات المتحدة والصين أصبحت مزيجاً معقداً من التعاون والتنافس في آن واحد.
ففي الوقت الذي يحتاج فيه الاقتصاد العالمي إلى تنسيق أكبر بين القوتين، يواصل كل طرف العمل على تعزيز نفوذه السياسي والتكنولوجي والعسكري.
وبين الرغبة في تجنب الصدام المباشر والسعي للهيمنة على الاقتصاد العالمي، تبدو العلاقات الأمريكية الصينية مرشحة للاستمرار في دائرة “التعاون الحذر” و”الصراع المستتر” خلال السنوات المقبلة.
