السر في التصدير.. الأسمنت المصري يراهن على إعادة الإعمار لمواجهة ارتفاع الطاقة
يدخل قطاع الأسمنت في مصر مرحلة جديدة من التحديات المعقدة، مع تصاعد الضغوط الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، بالتزامن مع التوترات الجيوسياسية التي أعادت رسم خريطة تكاليف الإنتاج في الصناعات الثقيلة.
ورغم هذه العواصف، تمنح السوق المحلية وفرص التصدير الإقليمية شركات الأسمنت متنفساً حيوياً للحفاظ على ربحيتها، مدعومة باستمرار الطلب المرتبط بالمشروعات العقارية الكبرى وتنامي فرص المشاركة في عمليات إعادة إعمار دول الجوار.
فاتورة الطاقة.. التحدي الأكبر للصناعة
وأكد المحلل المالي، مصطفى الحسيني، أن التصعيد الإقليمي دفع أسعار النفط للاقتراب من 100 دولار للبرميل، مما انعكس فوراً على السوق المحلي بزيادة أسعار الوقود بنحو 15% وارتفاع تعريفة الكهرباء.
وأوضح خلال تصريحات صحفية صباح اليوم، أن هذا الارتفاع أثر بشكل مباشر على تكاليف النقل والتشغيل داخل مصانع الأسمنت. وأوضح الحسيني أن اضطراب الإمدادات عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره 20% من نفط العالم، قلص توافر فحم الكوك البترولي ورفع سعره إلى 115 دولاراً للطن، بينما قفز سعر الفحم إلى 133 دولاراً للطن.
ومن جهته، أشار "هيثم فهمي"، مدير حسابات العملاء بشركة برايم، إلى أن الطاقة تستحوذ على ما بين 35% و50% من تكلفة إنتاج الأسمنت، مما يعني أن أي زيادة عالمية في أسعار الوقود تضغط بقوة على هوامش الربحية، وتدفع الشركات للموازنة الصعبة بين الحفاظ على حصتها السوقية وتمرير جزء من الزيادة للأسعار النهائية.
التصدير.. طوق نجاة واستراتيجية للنمو
في ظل هذه الضغوط، يرى "عمرو الألفي"، رئيس قطاع الاستراتيجيات بشركة ثاندر، أن قطاع الأسمنت لا يزال يمتلك مقومات صمود قوية؛ فالاعتماد على مكونات محلية بنسبة تصل إلى 95% خفف من حدة اضطرابات سلاسل الإمداد.
وأوضح الألفي أن التوترات الإقليمية تحمل في طياتها فرصاً لزيادة صادرات الأسمنت المصري المرتبطة بإعادة الإعمار، وهو ما بدأته عدة شركات بالفعل لتوفير العملة الأجنبية وتعزيز الإيرادات.
ويتفق معه الخبير الاقتصادي "مصطفى شفيع"، مؤكداً أن قدرة الشركات على تمرير الزيادات للمستهلك دون خفض الإنتاج تعكس ثقة المنتجين في استمرار الطلب، خاصة مع استمرار الشركات في التوسع والحصول على تراخيص إضافية، مما يثبت أن الأسمنت يظل من القطاعات الجاذبة للاستثمار.
البورصة وصفقات الاستحواذ المرتقبة
وعلى صعيد الاستثمار، سجل قطاع مواد البناء تداولات بقيمة 11.35 مليار جنيه خلال الربع الأول من عام 2026، مستحوذاً على 2.9% من إجمالي تداولات البورصة المصرية.
ويتوقع الخبراء أن يشهد قطاع الأسمنت مزيداً من عمليات الاندماج والاستحواذ لتعزيز الكفاءة، مثل صفقة استحواذ "مصر بني سويف للأسمنت" على حصة في "قنا للأسمنت".
أرقام ومؤشرات سوق الأسمنت 2026:
سعر الطن محلياً: يتراوح حالياً ما بين 3700 و4200 جنيه.
الزيادات الأخيرة:
تراوحت بين 50 و100 جنيه للطن نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة.
الارتباط بالنمو:
يتحرك الطلب على الأسمنت بمعامل ارتباط يتراوح بين 0.6 و0.9 مع معدلات النمو الاقتصادي.
توقعات مستقبلية:
إذا استمر النفط فوق 100 دولار، قد ترتفع تكلفة الفحم البترولي بنسبة تصل إلى 25%، ما يعني زيادة إضافية من 300 إلى 500 جنيه في سعر الطن.
توقعات "فيتش":
خفضت الوكالة توقعات نمو قطاع التشييد في مصر إلى 0.4%، مما يجعل التصدير ضرورة حتمية للشركات لتعويض أي تباطؤ محلي.
ويظل قطاع الأسمنت في مصر مراهناً على مرونته العالية وتنافسية منتجه في الأسواق الإفريقية والإقليمية، بانتظار استقرار الأوضاع الجيوسياسية التي قد تفتح آفاقاً غير مسبوقة للنمو عبر مشروعات الإعمار الضخمة المنتظرة في المنطقة.
