الأربعاء 06 مايو 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
تحليل

اقتصاد المغرب تحت ضغط الطاقة.. نمو مستقر وتحديات متصاعدة

الثلاثاء 05/مايو/2026 - 10:30 م
ارشيفية
ارشيفية

يواجه الاقتصاد المغربي مرحلة دقيقة تتقاطع فيها الضغوط الخارجية مع محاولات الحفاظ على الاستقرار الداخلي، وفق ما كشفه تقرير صندوق النقد الدولي حول آفاق الاقتصاد العالمي الصادر في أبريل 2026، والذي رسم صورة مزدوجة لاقتصاد قادر على الصمود، لكنه يواجه تحديات متزايدة بفعل تقلبات الطاقة واضطرابات التجارة الدولية.

التقرير أشار إلى أن المغرب مرشح لتحقيق نمو يبلغ 4.4% خلال عام 2026، قبل أن يستقر عند حدود 4% على المدى المتوسط، وهي مستويات تعكس مرونة نسبية، لكنها تبقى دون الطموحات في ظل بيئة دولية مضطربة. وفي المقابل، يتوقع أن يشهد التضخم ارتفاعًا مؤقتًا ليتراوح بين 2% و2.5%، مدفوعًا بشكل رئيسي بزيادة أسعار النفط والغاز، قبل أن يعود إلى مستويات أكثر استقرارًا لاحقًا.

صدمة الطاقة في قلب المشهد
التحدي الأبرز الذي يواجه الاقتصاد المغربي يتمثل في فاتورة الطاقة المرتفعة، إذ يعتمد المغرب على استيراد أكثر من 90% من احتياجاته الطاقية، ما يجعله شديد التأثر بتقلبات الأسعار العالمية. 

ومع تجاوز أسعار النفط حاجز 110 دولارات للبرميل، مقارنة بتقديرات حكومية عند 70 دولارًا فقط في إعداد موازنة 2026، ارتفعت الضغوط على المالية العامة بشكل ملحوظ.

هذا الارتفاع انعكس مباشرة على الميزان التجاري، حيث سجل عجزًا بنحو 65 مليار درهم خلال الربع الأول من العام، مدفوعًا بزيادة واردات الطاقة. كما يُتوقع أن يتسع عجز الموازنة إلى نحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ5.2% في العام السابق، في وقت تحاول فيه الحكومة الحفاظ على استقرار أسعار الوقود محليًا لتجنب تداعيات اجتماعية.

تداعيات ممتدة على القطاعات الاقتصادية
لا تقتصر آثار صدمة الطاقة على المؤشرات الكلية، بل تمتد إلى مختلف القطاعات الإنتاجية. فقد أدى ارتفاع أسعار الوقود إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج، ما أثر على تنافسية الصناعات التحويلية، وألقى بظلاله على القطاع الزراعي والخدمات اللوجستية، وكذلك السياحة.

ويرى خبراء اقتصاديون أن ارتفاع أسعار البنزين والديزل أدى إلى تضييق هوامش الربح، خاصة في القطاعات التي تعتمد على المدخلات المستوردة، وهو ما يضعف القدرة التنافسية للمنتجات المغربية في الأسواق الدولية، خصوصًا أمام المنتجات الأوروبية.

كما امتدت تداعيات الأزمة إلى الأسواق المالية، حيث شهدت بورصة الدار البيضاء ضغوط بيع نتيجة مخاوف المستثمرين من استمرار حالة عدم اليقين، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية العالمية.

الاستثمار والدين العام تحت المراقبة
رغم هذه التحديات، يبرز جانب إيجابي يتمثل في استمرار تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، التي سجلت مستوى قياسيًا بلغ 56 مليار درهم في 2025، ما يعكس ثقة نسبية في الاقتصاد المغربي. غير أن استمرار التوترات قد يهدد هذه التدفقات، إلى جانب احتمالات تراجع تحويلات المغتربين بفعل ارتفاع تكاليف المعيشة في أوروبا والخليج.

أما على صعيد الدين العام، فقد استقر عند 67.2% من الناتج المحلي، مع خطة حكومية لخفضه تدريجيًا إلى 60.5% بحلول 2031، وهو ما يتطلب الحفاظ على توازن دقيق بين الإنفاق والدعم من جهة، وضبط العجز من جهة أخرى.

فرص كامنة رغم التحديات
في خضم هذه الضغوط، يبرز ملف الطاقة المتجددة كأحد أهم مفاتيح التوازن المستقبلي. فقد بلغت نسبة الكهرباء المنتجة من مصادر متجددة نحو 42%، مع توقعات بارتفاعها إلى أكثر من 50% خلال السنوات المقبلة، ما قد يسهم في تقليص الاعتماد على الواردات الطاقية.

كما يطرح موقع المغرب الجغرافي وإمكاناته اللوجستية فرصًا لتعزيز دوره كمركز تجاري إقليمي، خاصة مع أهمية موانئه الاستراتيجية في غرب المتوسط، وهو ما قد يمنحه ميزة تنافسية في ظل إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية.

إلى جانب ذلك، تتجه المملكة إلى تطوير قطاعات جديدة مثل الهيدروجين الأخضر والسيارات الكهربائية، ما يعزز تنوع الاقتصاد ويقلل من حساسيته للصدمات الخارجية.

بين الضغوط والمرونة
في المحصلة، يقف الاقتصاد المغربي عند نقطة توازن دقيقة بين تحديات خارجية ضاغطة وإمكانات داخلية واعدة. فبينما تفرض أسعار الطاقة المرتفعة ضغوطًا على الميزانية والميزان التجاري، تظل الإصلاحات الهيكلية والاستثمار في الطاقات البديلة عوامل حاسمة في تحديد مسار الاقتصاد خلال السنوات المقبلة.

ويبقى الرهان الأساسي على قدرة المغرب في تحويل الأزمة إلى فرصة، عبر تسريع التحول الطاقي، وتنويع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز تنافسية القطاعات الإنتاجية، بما يضمن نموًا أكثر استدامة في عالم يتسم بتقلبات متزايدة.