«موازنة تُدار في قلب الأزمات».. كيف يعيد «كجوك» هندسة السياسة المالية عبر «سيناريوهات بديلة» ومرونة غير مسبوقة؟
في توقيت اقتصادي إقليمي ودولي بالغ التعقيد، تبرز تعديلات الموازنة العامة الجديدة في مصر كإحدى الأدوات الرئيسية التي تلجأ إليها الحكومة لإعادة ضبط إيقاع السياسة المالية، وتعزيز قدرتها على امتصاص الصدمات. وتكشف تصريحات وزير المالية أحمد كجوك عن توجه واضح نحو إدارة أكثر مرونة واستباقية للمخاطر، يقوم على فلسفة “السيناريوهات البديلة” بدلًا من التخطيط الأحادي التقليدي.
مرونة مالية في مواجهة الضغوط
بحسب كجوك، فإن التعديلات التي طالت الموازنة الجديدة لم تأتِ كرد فعل متأخر، بل كخطوة استباقية تستهدف تعزيز قدرة الدولة على التعامل مع الأزمات المحتملة، عبر زيادة الاحتياطيات وتوفير مساحات مالية آمنة. هذا التوجه يعكس إدراكًا حكوميًا بأن البيئة الاقتصادية الحالية لا تسمح بالاعتماد على مسار واحد ثابت، في ظل تقلبات أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد والتوترات الجيوسياسية.
ويؤكد الوزير أن الحكومة تعمل وفق أكثر من سيناريو لإدارة المالية العامة، بما يضمن استمرار توفير السلع الأساسية، ومستلزمات الإنتاج، والطاقة، مع حماية الأنشطة الاقتصادية من أي صدمات خارجية مفاجئة.
أولوية للإنفاق الاجتماعي والنمو
التعديلات لم تقتصر على جانب التحوط فقط، بل امتدت إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام. حيث أولت الموازنة الجديدة اهتمامًا أكبر بقطاعات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، مع زيادة مخصصاتها بنسب ملحوظة، إلى جانب التوسع في المبادرات التنموية مثل «حياة كريمة» والتأمين الصحي الشامل.
وفي الوقت ذاته، تسعى الحكومة إلى تحقيق توازن دقيق بين ضبط العجز المالي ودفع النشاط الاقتصادي، عبر استهداف تحقيق فائض أولي، وخفض الدين العام تدريجيًا، بما يخلق حيزًا ماليًا أكبر للإنفاق التنموي.
دعم مباشر للنشاط الاقتصادي والقطاع الخاص
ضمن الرؤية الجديدة، تم تخصيص نحو 90 مليار جنيه لتحفيز قطاعات الصناعة والسياحة والتصدير وريادة الأعمال، في محاولة لتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد المصري. كما تؤكد الحكومة استمرارها في توسيع الشراكة مع القطاع الخاص، وزيادة القاعدة الإنتاجية والضريبية، مع استهداف ضم نحو 100 ألف ممول جديد بشكل طوعي.
هذا التوجه يعكس انتقال السياسة المالية نحو نموذج أكثر انفتاحًا على مجتمع الأعمال، قائم على التيسير الضريبي بدلًا من الضغط الضريبي المباشر، وهو ما ظهر في حزم التسهيلات الأخيرة التي لاقت، بحسب الوزير، استجابة قوية من القطاع الخاص.
إصلاح ضريبي وتحديث إداري
إحدى الركائز المهمة في فلسفة كجوك تتمثل في إعادة هيكلة المنظومة الضريبية عبر التبسيط والتحول الرقمي، من خلال تطوير الخدمات، وإطلاق تطبيقات إلكترونية، وإنشاء مراكز متخصصة لتقديم الدعم للممولين. كما تشمل الإصلاحات إجراءات لتقليل الازدواج الضريبي، وتحفيز الاستثمار في البورصة، وتسهيل المعاملات العقارية.
اقتصاد «يدار بالأزمات»
يمكن القول إن فلسفة الموازنة الجديدة تعكس تحولًا في الفكر المالي المصري نحو إدارة الاقتصاد بمنطق “الاستعداد الدائم للأزمة”، وليس مجرد التخطيط في الظروف المستقرة. فالحكومة تحاول الموازنة بين أهداف متعارضة: حماية الاستقرار المالي من جهة، وتحفيز النمو وتحسين الخدمات من جهة أخرى.
وبينما تراهن الدولة على التحول الرقمي وتوسيع القاعدة الضريبية وتقوية دور القطاع الخاص، تبقى التحديات مرتبطة بقدرة هذه السياسات على الاستمرار في ظل بيئة عالمية شديدة التقلب، ما يجعل “المرونة” هي العنوان الأبرز للمرحلة المقبلة.



