الإثنين 16 مارس 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
ramadan
رئيس التحرير
عمرو عامر
تحليل

مخاض عسير في باريس.. هل تُنهي صفقات «الإيتريوم» وفول الصويا الحرب التجارية بين أمريكا والصين؟

الإثنين 16/مارس/2026 - 11:58 ص
بانكير

في الوقت الذي كانت فيه أنظار العالم تتجه إلى العاصمة الفرنسية باريس، لم يكن الحديث هناك عن الموضة أو الجمال، بل عن "صراع الجبابرة" الذي يجمع الولايات المتحدة والصين

وخلف الأبواب المغلقة في مقر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في باريس، دارت مناقشات ماراثونية استمرت لأكثر من ست ساعات، في محاولة لرسم "خارطة طريق" اقتصادية تُعرض على طاولة الرئيس الأمريكي  دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينج في قمتهما المرتقبة ببكين. 

هذه المباحثات التي قادها وزير الخزانة الأمريكي "سكوت بيسنت" ونائب رئيس مجلس الدولة الصيني "هي ليفنج"، لم تكن مجرد تبادل للآراء، بل كانت أشبه بـ "جس نبض" نهائي قبل لقاء الزعيمين، وسط أجواء وُصفت بالهدوء الحذر رغم ضجيج الحروب المشتعلة في مناطق أخرى من العالم.

لكن المثير في الأمر، أن هذه التوافقات الاقتصادية لا تزال معلقة بخيوط السياسة والتحركات العسكرية؛ فالرئيس ترامب، بأسلوبه المعروف في الضغط، لم يتردد في التلميح باحتمال تأجيل زيارته للصين. 

والسبب هذه المرة ليس تجارياً بحتاً، بل هو رغبته في رؤية دور صيني أكثر حزماً للمساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز، الذي تسبب إغلاقه في خنق إمدادات الطاقة العالمية. 

وهذا الربط بين "لقمة العيش" والأمن القومي يجعل من نتائج جلسة باريس مجرد مقترحات فنية، بانتظار "الختم النهائي" من الزعيمين في بكين.

بكين تفتح «الشهية» الزراعية.. رهان الصويا واللحوم لكسب ود ترامب

وخلال المباحثات، بدا واضحاً أن الجانب الصيني جاء إلى باريس وفي جعبته "هدايا" تستهدف كسب ود المزارع الأمريكي، الذي يمثل ركيزة أساسية في حسابات ترامب. 

فقد أبدت بكين انفتاحاً كبيراً على زيادة مشتريات السلع الزراعية، ولم يتوقف الأمر عند حدود "فول الصويا" المعتاد، بل امتد ليشمل الدواجن ولحوم الأبقار ومحاصيل أخرى. 

هذا الانفتاح الذي شهدته باريس ليس مجرد رغبة في الاستيراد، بل هو محاولة ذكية لتهدئة التوترات التجارية وبناء جسور من المصالح المتبادلة التي يصعب هدمها لاحقاً.

وفي سياق متصل، أكدت الصين التزامها بصفقة "الهدنة التجارية" التي تم التوصل إليها في أكتوبر الماضي، والتي تقضي بشراء 25 مليون طن متري من فول الصويا الأمريكي سنوياً لمدة ثلاث سنوات. 

وهذا الالتزام الصارم يبعث برسالة مفادها أن بكين مستعدة للوفاء بوعودها المالية، طالما أن ذلك سيجنبها المزيد من القرارات المفاجئة من البيت الأبيض، ويضمن لها استقراراً في تدفقات السلع الحيوية التي يحتاجها سوقها الداخلي الضخم.

لعبة المعادن والطائرات.. «الإيتريوم» يفك شفرة محركات الطائرات الأمريكية

على الجانب الآخر من طاولة المفاوضات في باريس، لم تغب الملفات الفنية المعقدة عن النقاشات، حيث برز ملف المعادن الحيوية كأحد أكثر النقاط حساسية. 

المسؤولون الأمريكيون أعربوا صراحة عن قلقهم من نقص عنصر "الإيتريوم" الذي تستحوذ الصين على إنتاجه، وهو مكون لا غنى عنه في صناعة محركات الطائرات الأمريكية. 

ويبدو أن الطرفين توصلا بالفعل إلى تفاهمات لتخفيف القيود الصينية على تصدير هذا المعدن، مقابل رغبة واشنطن في رؤية مزيد من طائرات "بوينج" تحلق في السماء الصينية، بجانب زيادة مشتريات بكين من النفط والغاز الطبيعي الأمريكي.

وهذه المساومات تعكس واقعاً جديداً؛ حيث لا يتعلق الأمر فقط بمن يبيع أكثر، بل بمن يمتلك "مفاتيح" التكنولوجيا والصناعات الاستراتيجية، وواشنطن تريد تأمين مصانعها بعيداً عن تقلبات السياسة، وبكين تريد ضمان تدفق الطاقة الأمريكية لدعم قطاعها الصناعي. 

وهذا التبادل للمصالح قد يكون هو "اللاصق" الذي سيحافظ على تماسك العلاقات في المرحلة المقبلة، رغم كل التحديات التي تحيط بالبلدين.

مجالس التجارة والاستثمار.. هل ينجح البلدان في تنظيم الخلاف؟

أحد أكثر المقترحات طموحاً التي خرجت من باريس هو التفكير في إنشاء "مجالس رسمية" لإدارة العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم. 

الفكرة تتمحور حول إنشاء "مجلس للتجارة" و"مجلس للاستثمار"؛ الأول يهدف إلى تحديد القطاعات التي يمكن التبادل فيها دون المساس بالأمن القومي، والثاني يعمل كـ "إطفائي" لحل النزاعات التي قد تنشأ بين الحين والآخر. 

وهذا التوجه يعكس رغبة في استبدال القرارات الفجائية بحوار مستمر ومنظم.

ورغم هذه الأجواء الإيجابية، يبقى المحللون حذرين؛ فالوقت يداهم الجميع، والنزاع العسكري في الشرق الأوسط يلقي بظلاله الكثيفة على أولويات الإدارة الأمريكية. 

ويرى المراقبون أن ما تم الاتفاق عليه في باريس قد لا يظهر أثره الكامل دفعة واحدة، بل قد يتم توزيعه على مدار العام عبر لقاءات متعددة مرتقبة بين ترامب وشي جين بينج في محافل دولية مختلفة، ليبقى الاقتصاد العالمي بانتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة في قلب بكين.