من الحرب العالمية الأولى إلى أزمة الطاقة.. قصة قانون «جونز» ولماذا تخطط واشنطن لتعليقه الآن؟
عاد قانون جونز البحري إلى دائرة النقاش في الولايات المتحدة مع تصاعد أسعار النفط العالمية، بعدما كشفت تقارير عن اتجاه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لدراسة تعليق العمل به مؤقتًا، في محاولة لاحتواء الضغوط على أسواق الطاقة الداخلية.
ويطرح هذا التطور تساؤلات حول طبيعة هذا القانون، وأسباب لجوء واشنطن إلى تعليقه في أوقات الأزمات، ومدى قدرته فعليًا على التأثير في أسعار النفط والوقود.
ما هو قانون «جونز»؟
يُعرف قانون «جونز» رسميًا باسم قانون البحرية التجارية لعام 1920، وهو تشريع أميركي صدر بعد الحرب العالمية الأولى بهدف حماية الأمن القومي ودعم صناعة النقل البحري في الولايات المتحدة. وينص القانون على أن نقل البضائع بين الموانئ الأميركية يجب أن يتم عبر سفن تتوافر فيها عدة شروط، أهمها أن تكون مصنوعة في الولايات المتحدة، ومملوكة لشركات أميركية، ومُدارة بطواقم أميركية.
وجاء القانون في الأساس لضمان وجود أسطول تجاري قوي يمكن للحكومة الاعتماد عليه في أوقات الحروب والأزمات، إضافة إلى دعم صناعة السفن والعمالة البحرية الأميركية. غير أن منتقديه يرون أنه أدى إلى رفع تكاليف النقل البحري داخل الولايات المتحدة مقارنة بالنقل الدولي، نظرًا لارتفاع تكلفة بناء وتشغيل السفن الأميركية.
لماذا يُثار الجدل حوله في أزمات الطاقة؟
في الظروف العادية، يحدّ قانون «جونز» من قدرة السفن الأجنبية على نقل النفط أو المنتجات البترولية بين الموانئ الأميركية. لكن في أوقات الأزمات، عندما ترتفع أسعار الطاقة أو تتعرض سلاسل الإمداد للاضطراب، يصبح القانون موضع نقاش لأن القيود التي يفرضها قد تُبطئ حركة نقل الوقود داخل البلاد.
فعلى سبيل المثال، تنتج الولايات المتحدة كميات كبيرة من النفط والوقود في منطقة الساحل الخليجي، بينما تعتمد بعض المناطق الأخرى، مثل الساحل الشرقي، على استيراد جزء من احتياجاتها. وفي ظل القيود التي يفرضها القانون، لا يمكن نقل هذه الإمدادات بسهولة عبر السفن الأجنبية الأرخص تكلفة، ما قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل وبالتالي زيادة أسعار الوقود للمستهلكين.
لهذا السبب تلجأ الإدارات الأميركية أحيانًا إلى إصدار إعفاءات مؤقتة من القانون في حالات الطوارئ، للسماح لسفن أجنبية بالمشاركة في نقل الوقود أو الإمدادات داخل الولايات المتحدة.
سوابق استخدام الإعفاءات
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تفكر فيها واشنطن في تعليق قانون «جونز». فقد جرى إصدار إعفاءات مؤقتة عدة مرات خلال العقود الماضية، غالبًا بعد كوارث طبيعية أو اضطرابات كبيرة في الإمدادات.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك:
بعد إعصار كاترينا عام 2005، عندما سمحت الحكومة للسفن الأجنبية بنقل الوقود للمساعدة في إعادة الإمدادات إلى المناطق المتضررة.
في عام 2017 عقب إعصار «ماريا» الذي ضرب بورتو ريكو.
في 2022 بعد إعصار «فيونا»، لتسهيل وصول الإمدادات إلى الجزيرة.
وفي 2021 خففت إدارة الرئيس جو بايدن تطبيق القانون مؤقتًا بعد هجوم إلكتروني استهدف خط أنابيب رئيسيًا للوقود على الساحل الشرقي.
وتشير هذه السوابق إلى أن القانون غالبًا ما يُعامل كأداة مرنة يمكن تعليقها مؤقتًا عندما تتطلب الظروف تسريع تدفق الإمدادات.
هل يمكن أن يحد من ارتفاع أسعار النفط؟
رغم الجدل السياسي حول قانون «جونز»، يرى العديد من الخبراء أن تأثير تعليقه على أسعار النفط العالمية يظل محدودًا. فالأسعار العالمية للنفط تتحدد أساسًا وفق عوامل أكبر، مثل التوترات الجيوسياسية ومستويات الإنتاج العالمي وحجم الطلب في الأسواق الكبرى.
لكن تعليق القانون قد يكون له تأثير محدود على السوق الأميركية الداخلية، إذ يسمح بزيادة مرونة حركة نقل الوقود بين الموانئ الأميركية، ما قد يخفف بعض الضغوط على أسعار البنزين والديزل في مناطق معينة، خاصة إذا كانت تعاني نقصًا في الإمدادات.
أداة اقتصادية أم قضية سياسية؟
في الوقت نفسه، يظل قانون «جونز» موضوعًا مثيرًا للجدل داخل الولايات المتحدة. فالمؤيدون يرونه ضروريًا لحماية الأمن القومي والصناعة البحرية الأميركية، بينما يعتبره منتقدوه أحد العوامل التي ترفع تكاليف النقل والطاقة داخل البلاد.
ومع استمرار التوترات في أسواق الطاقة العالمية، يبدو أن هذا القانون الذي مضى على صدوره أكثر من قرن سيظل يعود إلى الواجهة كلما واجهت الولايات المتحدة ضغوطًا في إمدادات الطاقة أو ارتفاعًا حادًا في الأسعار.
وفي النهاية، قد يساهم تعليق القانون مؤقتًا في تخفيف بعض الاختناقات داخل السوق الأميركية، لكنه يظل إجراءً محدود التأثير مقارنة بالعوامل الكبرى التي تتحكم في أسعار النفط عالميًا.

