فلسفة مالية جديدة في عهد كجوك.. الضرائب تتحول من جباية إلى تحفيز و"سند المواطن" يفتح أبواب الاستثمار للجميع
تشهد السياسة المالية في مصر تحولات لافتة خلال الفترة الأخيرة، تعكس توجهًا مختلفًا في إدارة الملفات الاقتصادية، يقوم على مزيج من تحفيز الاستثمار وتخفيف الأعباء عن المواطنين.
ويبرز هذا التحول بوضوح مع تولي أحمد كجوك وزارة المالية، حيث تبنت الوزارة حزمة من الإجراءات التي تستهدف إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمستثمرين والممولين، مع التركيز على دعم النشاط الاقتصادي وتحسين جودة الخدمات المالية.
هذه التحركات لا تبدو مجرد قرارات متفرقة، بل تعكس استراتيجية متكاملة تسعى إلى توسيع القاعدة الاقتصادية، وتعزيز الثقة في بيئة الاستثمار، وفي الوقت نفسه تقديم أدوات جديدة لدعم المواطنين في مواجهة الضغوط الاقتصادية.
إصلاح ضريبي يركز على التيسير بدل التعقيد
أحد أبرز ملامح السياسة المالية الجديدة يتمثل في التوجه نحو تبسيط المنظومة الضريبية. فبدلًا من الاعتماد على الإجراءات التقليدية المعقدة، تعمل الوزارة على إدخال آليات أكثر مرونة تعتمد على الرقمنة وتسهيل التعامل مع الممولين.
ومن بين الخطوات المطروحة إطلاق تطبيق إلكتروني لإدارة الضرائب العقارية يسمح بتقديم الإقرارات وسداد الضريبة إلكترونيًا، إلى جانب إجراءات أخرى مثل الاكتفاء بإقرار واحد في حالة تعدد العقارات، والتعامل مع مأمورية واحدة بدلًا من تعدد الجهات.
كما تضمنت التعديلات رفع حد الإعفاء الضريبي للوحدات السكنية الخاصة إلى 8 ملايين جنيه، وهو ما يعكس محاولة لتخفيف العبء الضريبي عن شريحة واسعة من المواطنين.
وتشير هذه التغييرات إلى أن الدولة تسعى إلى تحسين الامتثال الطوعي للضرائب من خلال التيسير وليس فقط من خلال الإجراءات الرقابية.
تحفيز الاستثمار عبر تعديلات في سوق المال
ضمن جهود تنشيط الاستثمار، تتجه وزارة المالية إلى مراجعة بعض السياسات الضريبية المرتبطة بسوق المال، حيث يجري العمل على استبدال ضريبة الأرباح الرأسمالية بضريبة الدمغة على التعاملات في البورصة المصرية.
وتأتي هذه الخطوة في إطار خطة أوسع لتحفيز الاستثمار المؤسسي وتشجيع الشركات على القيد في البورصة، بالتعاون مع الهيئة العامة للرقابة المالية.
كما تشمل التسهيلات المقترحة تبسيط إجراءات رد ضريبة القيمة المضافة، وهي خطوة من شأنها تحسين السيولة لدى الشركات، ما يدعم قدرتها على التوسع والاستثمار.
أدوات جديدة لدمج الاقتصاد غير الرسمي
من بين المبادرات التي تعكس توجهًا جديدًا في السياسة الضريبية إطلاق «كارت تميز» للممولين الملتزمين، والذي يمنحهم أولوية في الحصول على الخدمات الضريبية المختلفة.
كما تعمل الوزارة على توفير تمويلات منخفضة التكلفة لأول 100 ألف ممول ينضمون إلى النظام الضريبي المبسط، في محاولة لدمج الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية داخل الاقتصاد المنظم.
هذه الخطوات تمثل تحولًا من سياسة الضغط الضريبي إلى سياسة التحفيز والانضمام الطوعي.
«سند المواطن».. توسيع قاعدة المستثمرين الأفراد
في إطار تنويع أدوات التمويل، طرحت وزارة المالية أداة ادخارية جديدة للأفراد تحت اسم «سند المواطن»، يتم الاكتتاب فيه عبر فروع الهيئة القومية للبريد.
ويتميز السند بعائد شهري ثابت يتراوح بين 17.5% و17.75% لمدة 18 شهرًا، وهو ما يمنح المواطنين فرصة للاستثمار المباشر في أدوات الدين الحكومية بطريقة مبسطة.
ووفق تصريحات مي عادل مستشار وزير المالية لأسواق المال، فإن الهدف من الطرح هو توسيع قاعدة المستثمرين الأفراد وتعزيز الشمول المالي، مستفيدًا من الانتشار الجغرافي الكبير لمكاتب البريد.
الصناعة على الطاولة.. توطين صناعة السيارات
إلى جانب الإصلاحات الضريبية والمالية، تضع الحكومة توطين الصناعة ضمن أولوياتها الاقتصادية، وعلى رأسها صناعة السيارات.
فالحكومة تعمل على تنفيذ البرنامج الوطني لتنمية صناعة السيارات، الذي يقوم على تقديم حوافز استثمارية وضريبية وجمركية للمصنعين، وفقًا لمعايير مرتبطة بنسبة المكون المحلي وحجم الإنتاج والتصدير.
وفي هذا السياق عقد خالد هاشم وزير الصناعة اجتماعًا مع وزير المالية و**محمد فريد صالح** وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، بحضور جيهان صالح مستشار رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، لمتابعة تنفيذ البرنامج وتعزيز التنسيق بين الجهات الحكومية لجذب استثمارات جديدة في القطاع.
بعد اجتماعي.. قرارات تستهدف دعم المواطنين
على الجانب الاجتماعي، أعلنت وزارة المالية تبكير صرف مرتبات العاملين بالدولة خلال شهر مارس قبل عيد الفطر، في خطوة تهدف إلى مساعدة الموظفين على تلبية احتياجاتهم المعيشية خلال فترة الأعياد.
ويأتي هذا القرار ضمن توجه أوسع لتبني سياسات مالية تراعي الأبعاد الاجتماعية بالتوازي مع الإصلاحات الاقتصادية.
قراءة في المشهد.. تحول في دور وزارة المالية
مجمل هذه الإجراءات يعكس تحولًا في دور وزارة المالية من مجرد إدارة للميزانية العامة
