الخميس 19 فبراير 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
ramadan
رئيس التحرير
عمرو عامر
تحليل

رمضان 2026 بين استقرار التضخم وضغوط الطلب.. كيف تغيّرت خريطة الإنفاق على المائدة المصرية؟

الخميس 19/فبراير/2026 - 11:44 ص
رمضان 2026 بين استقرار
رمضان 2026 بين استقرار التضخم وضغوط الطلب.. كيف تغيّرت خريطة

مع حلول شهر رمضان، يتجدد تساؤل الأسر المصرية حول الأسعار، ومدى تأثير التغيرات الاقتصادية ومعدلات التضخم على الإنفاق اليومي ونوعية الأطباق على مائدة الإفطار. 

وبينما شهد عام 2024 موجة تضخم قياسية أربكت حسابات الأسر وأجبرتها على إعادة ترتيب أولوياتها، يأتي رمضان 2026 في ظل تباطؤ واضح في وتيرة ارتفاع الأسعار، منح شريحة واسعة من متوسطي الدخل مساحة أكبر للتخطيط وإدارة الميزانية.

استقرار نسبي بعد موجة عنيفة

الأشهر الأخيرة حملت مؤشرات إيجابية على صعيد التضخم، حيث تباطأت معدلات زيادته مقارنة بعام 2024 الذي تجاوزت فيه النسبة 25%، ما انعكس على استقرار نسبي في أسعار السلع الغذائية.

غير أن هذا التراجع لم يترجم إلى انخفاضات حادة أو ما يمكن وصفه بـ"الرخص"، بل أوجد حالة من القدرة على التنبؤ بحركة الأسواق، وهو ما اعتبره الخبير المصرفي الدكتور عز حسانين تحولا مهما في سلوك المستهلك.

وأوضح حسانين أن نحو نصف السلع الأساسية يتم استيرادها من الخارج، ما جعلها تتأثر بقوة خلال 2024 بتقلبات سعر الصرف. لكن مع استيعاب الأسواق لمستويات الأسعار الجديدة وهدوء وتيرة الارتفاعات، لم تعد الأسر مضطرة إلى حذف سلع أساسية من قوائم مشترياتها كما حدث في ذروة الأزمة.

عودة “ذكية” لبعض الأصناف

في رمضان 2024، لجأت كثير من الأسر إلى تقليص استهلاك اللحوم والأسماك، والتركيز على السلع الأقل تكلفة. أما في 2026، فقد عادت بعض هذه الأصناف تدريجيًا إلى المائدة، لكن بنمط إنفاق أكثر وعيًا.

أصبحت العروض الموسمية ومعارض “أهلا رمضان” عنصرًا رئيسيًا في خطة الشراء، مع تركيز أكبر على القيمة الغذائية بدلًا من المظاهر الاستهلاكية. وبحسب حسانين، فإن مائدة هذا العام استعادت بعض تفاصيلها التقليدية، لكنها باتت “أكثر ذكاءً”، في ظل إدارة دقيقة للميزانية وتجنب الهدر.

ضغوط شعبان.. ارتفاعات موسمية

رغم الاستقرار النسبي، شهد الأسبوعان الأخيران من شهر شعبان ارتفاعات ملحوظة في أسعار عدد من السلع، مدفوعة بزيادة الطلب على المنتجات القابلة للتخزين مثل الأرز والدقيق والزيوت والمكرونة والمعلبات.

كما ارتفعت أسعار الدواجن والأسماك واللحوم، مع اتجاه بعض الأسر إلى التخزين تحسبًا لزيادات محتملة خلال النصف الأول من الشهر الكريم، ويؤكد الخبراء أن هذه الزيادات موسمية بطبيعتها، لكنها تتأثر أيضًا بعوامل العرض وسلوك المستهلك.

تدخل حكومي وتهدئة للسوق

تحركت الحكومة مبكرًا عبر تنسيق بين وزارات التموين والزراعة والمالية، وهيئة السلع التموينية والشعب التجارية، لتنظيم معارض “أهلا رمضان” وتوفير السلع الأساسية بتخفيضات تتراوح بين 20% و30% مقارنة بالأسواق.

كما لوّحت بالتدخل عبر الاستيراد في حال ارتفاع أسعار الدواجن، وهو ما ساهم في تهدئة السوق نسبيًا ومنع قفزات سعرية أكبر.

العمل الخيري يرفع الطلب

إلى جانب الاستهلاك الأسري، لعبت مشتريات رجال الأعمال والجمعيات والمؤسسات الخيرية وبنوك الطعام دورًا إضافيًا في زيادة الطلب على السلع الأساسية، لتجهيز “شنط وكراتين رمضان” التي تضم الأرز والزيت والسكر والبقوليات والشاي والمكرونة، وأحيانًا بعض البروتينات، فضلًا عن احتياجات موائد الرحمن اليومية.

ويرى حسانين أن بعض الأصناف قد تتراجع كمياتها على موائد الرحمن هذا العام مقارنة بفترة ما قبل الأزمة، إلا أن سخاء المتبرع المصري لم يتراجع، بل أصبح أكثر وعيًا بحسابات التكلفة والعائد الاجتماعي، في محاولة للحفاظ على حجم المساعدات رغم أن الفاتورة الإجمالية لا تزال أعلى من مستويات ما قبل 2024.

رمضان بين الواقعية والتوازن
في المجمل، لا يحمل رمضان 2026 انفراجة سعرية كبيرة، لكنه يقدم حالة من التوازن النسبي بين استقرار وتيرة ارتفاع الأسعار وقدرة الأسر على إدارة إنفاقها.

فالمائدة الرمضانية لم تعد ساحة استعراض كما كانت قبل الأزمة، لكنها لم تعد أيضًا قائمة تقشف صارمة. بل أصبحت نموذجًا لإدارة مالية أكثر حذرًا ووعيًا، يعكس تغيرًا أعمق في سلوك المستهلك المصري تحت وطأة التجربة الاقتصادية الأخيرة.