مخاوف متصاعدة من زلزال مالي عالمي
الأجانب يملكون 21% من الأصول وثلث ديون الخزانة.. هل يقرر المستثمرون بيع أمريكا؟
هل اقتربت لحظة بيع أمريكا ؟.. لطالما اعتُبر الرهان ضد الولايات المتحدة مغامرة خاسرة. فمن يستطيع المجازفة بالابتعاد عن الدولار، العملة التي تدير عجلة الاقتصاد العالمي، أو التخلي عن سندات الخزانة التي طالما وُصفت بالملاذ الآمن للمستثمرين؟.
لكن منذ مطلع عام 2025، بدأت نبرة جديدة تتردد في كواليس شركات الاستثمار وغرف التداول الكبرى. همسات خافتة تحولت تدريجياً إلى سؤال مباشر: هل حان الوقت للتخلي عن الأصول الأمريكية؟ -وفقا لتحليل بلومبرج-.
هذا التساؤل لم يعد مجرد تحليل مالي عابر، بل أصبح تحدياً حقيقياً لإحدى ركائز النظام الاقتصادي العالمي. فقد بدأت ملامحه تتشكل بوضوح في أبريل 2025، عقب الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترامب في ما عُرف بـ”يوم التحرير”، والتي أثارت قلق الحلفاء، قبل أن تأتي أزمة جرينلاند لتزيد من حالة التوجس داخل الأوساط الأوروبية.
حينها، بدأ كثير من المستثمرين يعيدون تقييم علاقتهم بواشنطن، ويتساءلون بصراحة: هل ما زالت الولايات المتحدة الشريك الموثوق كما كانت؟
عندما تتصدع «الميزة الباهظة»
تعتمد أمريكا منذ عقود على ما يُعرف بـ«الميزة الباهظة»، أي الثقة العالمية التي تجعل الدول تموّل عجزها دون تردد. غير أن المؤشرات الأخيرة توحي بتراجع هذه الأفضلية.
فمنذ عودة ترمب إلى المشهد السياسي، فقد الدولار نحو 10% من قيمته، مسجلاً أدنى مستوياته منذ عام 2022، في إشارة مقلقة للأسواق.
لماذا يخشى المستثمرون سيناريو بيع أمريكا؟
القلق لا ينبع من فراغ، فحدوث موجة بيع واسعة للأصول الأمريكية قد يطلق سلسلة من التداعيات الخطيرة:
- تراجع حاد في قيمة الدولار، وارتفاع أسعار الواردات داخل السوق الأمريكية.
- زيادة تكلفة الاقتراض، ما يضع الحكومة أمام أعباء مالية ضخمة.
- دخول الاقتصاد في حالة ركود، مع تراجع الاستثمارات والقدرة الشرائية.
هذه الحلقة المفرغة قد تقود إلى أزمة يصعب احتواؤها على المستوى العالمي.
تجربة دنماركية لافتة
لم يعد الحديث عن “بيع أمريكا” مجرد سيناريو نظري. فقد أقدم صندوق التقاعد الدنماركي “أكاديميكربنشن” على تصفية استثمارات في سندات أمريكية بقيمة 100 مليون دولار، احتجاجاً على سياسات واشنطن تجاه جرينلاند.
ورغم ضآلة الرقم مقارنة بديون أمريكية تتجاوز 30 تريليون دولار، فإن هذه الخطوة حملت دلالة رمزية قوية، وكسرت حاجز التردد لدى بعض المستثمرين.
تحوّل في سلوك المستثمرين
في المرحلة الحالية، لم يعد المستثمر يكتفي بشراء الأسهم الأمريكية، بل بات يتجه إلى ما يُعرف بـ”التحوط من أمريكا”. أي الاستثمار في الشركات الكبرى، مع التحوط ضد تراجع الدولار عبر أدوات مالية معقدة.
بعبارة أخرى: الثقة في قوة الشركات باقية، لكن الثقة في العملة لم تعد مطلقة.
لماذا تظل أمريكا خياراً لا غنى عنه؟
رغم كل هذه المخاوف، وخسارة الولايات المتحدة تصنيفها الائتماني الأعلى (AAA) من وكالة “موديز” في مايو الماضي، ما زالت السوق الأمريكية تتمتع بجاذبية استثنائية.
شركات التكنولوجيا العملاقة، ونسب النمو المرتفعة، والأرباح القوية، تجعل من الصعب على المستثمرين إيجاد بديل مماثل في أوروبا المتباطئة أو اليابان الحذرة.
كم يملك الأجانب في أمريكا؟
كما أن الأجانب يمتلكون حالياً نحو 21% من الأوراق المالية الأمريكية، إضافة إلى ما يقارب ثلث ديون الخزانة. واستخدام هذه الأصول كورقة ضغط ضد واشنطن يظل خياراً محفوفاً بالمخاطر، لأن أي هزة للاقتصاد الأمريكي ستنعكس مباشرة على محافظ المستثمرين حول العالم.


