تراجعات عنيفة تمحو مكاسب الذهب والفضة وتربك الأسواق
واصلت أسعار الذهب والفضة موجة الهبوط الحاد خلال تعاملات اليوم الاثنين، في واحدة من أعنف فترات التصحيح التي تشهدها أسواق المعادن النفيسة منذ عقود، وسط ضغوط متزايدة ناجمة عن تشديد شروط التداول وعمليات تسييل واسعة النطاق، إلى جانب تصاعد المخاوف المرتبطة بالسياسات النقدية الأمريكية.
وتراجعت أسعار الذهب في المعاملات الفورية بنسبة حادة بلغت نحو 6.1% لتسجل حوالي 4565.79 دولارًا للأوقية، مواصلة خسائرها الكبيرة التي بدأت نهاية الأسبوع الماضي، بعدما كانت قد سجلت أكبر انخفاض يومي لها منذ عام 1983. وبذلك يكون المعدن الأصفر قد فقد أكثر من ألف دولار منذ تسجيله أعلى مستوى تاريخي عند 5594.82 دولارًا للأوقية، وهو ما أدى إلى محو الجزء الأكبر من مكاسبه المحققة منذ بداية العام.
كما انخفضت العقود الأمريكية الآجلة للذهب تسليم أبريل بنسبة 3.3% لتصل إلى نحو 4586.20 دولارًا للأوقية، في إشارة إلى استمرار الضغوط البيعية على المعدن في الأجلين القصير والمتوسط، وسط حالة من الترقب والحذر تسود بين المستثمرين.
ولم تكن الفضة بمعزل عن هذا الهبوط الحاد، إذ تكبدت خسائر أكبر نسبيًا، حيث تراجعت في المعاملات الفورية بنحو 12% لتصل إلى 74.48 دولارًا للأوقية، بعد أن كانت قد سجلت في الجلسة السابقة أسوأ أداء يومي لها على الإطلاق بانخفاض بلغ 27%. وبهذا تكون الفضة قد فقدت ما يقرب من 40% من قيمتها مقارنة بذروتها التاريخية المسجلة الأسبوع الماضي عند 121.64 دولارًا للأوقية.
ويرى محللون أن موجة الهبوط الحالية لا تعكس فقط رد فعل الأسواق على المتغيرات السياسية والنقدية، بل جاءت نتيجة تفاعل متسلسل لعدة عوامل، في مقدمتها رفع متطلبات الهامش على عقود المعادن النفيسة، وهو ما أجبر عددًا كبيرًا من المستثمرين على تسييل مراكزهم بشكل قسري لتغطية الالتزامات المالية، ما زاد من حدة الضغوط البيعية.
كما ساهمت التوقعات المتعلقة بالسياسة النقدية الأمريكية في زيادة حالة القلق، خاصة في ظل تصاعد الرهانات على تشديد أطول أمدًا، رغم استمرار توقعات الأسواق بخفض أسعار الفائدة مرتين على الأقل خلال عام 2026. ويُعرف عن الذهب، باعتباره أصلًا لا يدر عائدًا، أنه يحقق أداءً أفضل في بيئة أسعار الفائدة المنخفضة، إلا أن الضغوط الحالية حدّت من استفادته من هذه التوقعات.
وامتدت موجة التراجع إلى باقي المعادن النفيسة، حيث انخفض البلاتين بنحو 9.4% ليصل إلى 1958.93 دولارًا للأوقية، بعد أن كان قد سجل مستوى قياسيًا قرب 2918.80 دولارًا في أواخر يناير الماضي. كما تراجع البلاديوم بنسبة 5.1% ليسجل حوالي 1611.86 دولارًا للأوقية، في ظل ضعف الطلب الاستثماري وتزايد التقلبات في الأسواق العالمية.
وتزامنت هذه التراجعات مع هبوط ملحوظ في أسواق الأسهم الآسيوية، إلى جانب انخفاض العقود الآجلة للأسهم الأمريكية، ما يعكس حالة عامة من العزوف عن المخاطرة، وانتقال المستثمرين إلى مراكز أكثر تحفظًا.
ورغم حدة التقلبات الحالية، يرى بعض المحللين أن الاتجاه الصعودي للذهب قد يظل قائمًا على المدى المتوسط والطويل، مدفوعًا بعوامل هيكلية، من بينها تنويع الاحتياطيات العالمية، وزيادة الإقبال على الأصول الحقيقية كوسيلة للتحوط من التضخم وتقلبات الأسواق المالية.
وفي المحصلة، تعكس التطورات الأخيرة في أسواق الذهب والفضة حالة من إعادة التسعير العنيفة، وسط بيئة مالية عالمية شديدة الحساسية للقرارات النقدية والتغيرات التنظيمية، وهو ما يُبقي الأسواق في حالة ترقب حذر خلال الفترة المقبلة.
