الجمعيات الزراعية في مصر… من توزيع الأسمدة إلى صناعة الأمن الغذائي
في لحظة فارقة من تاريخ الزراعة المصرية، يعود الحديث بقوة عن الدور الحقيقي للجمعيات الزراعية، ليس ككيانات إدارية هامشية، بل كأحد أعمدة التنمية الزراعية والأمن الغذائي، فوسط تحديات عالمية غير مسبوقة، وارتفاع تكاليف الإنتاج، تصبح إعادة إحياء دور الجمعيات الزراعية ضرورة وطنية، لا خيارًا مؤجلًا.
الجمعيات الزراعية.. جذور عميقة ودور تراجع مع الزمن
تأسست الجمعيات الزراعية في مصر لتكون الذراع التنظيمية والداعمة للفلاح، وحلقة الوصل بين الدولة والمزارع، ولعبت لعقود دورًا محوريًا في توفير مستلزمات الإنتاج، وتنظيم الدورة الزراعية، ونقل الإرشاد الزراعي إلى الحقول،
ولكن مع مرور الوقت، تراجع هذا الدور، وانحصر في مهام ضيقة، أبرزها توزيع الأسمدة، ما أفقد الجمعيات تأثيرها الحقيقي وأضعف ثقة الفلاح في قدرتها على الدعم.
الأمن الغذائي.. المهمة الوطنية الأهم
اليوم، تعود الجمعيات الزراعية إلى قلب النقاش الوطني، بوصفها أداة رئيسية لتحقيق الأمن الغذائي للمصريين، فالأمن الغذائي لا يتحقق بالقرارات المركزية وحدها، بل يتطلب وجود كيانات قريبة من الأرض والفلاح، قادرة على التنظيم والمتابعة والتنفيذ.
ومن هنا، تصبح الجمعيات الزراعية شريكًا أساسيًا في زيادة الإنتاج، وترشيد استخدام الموارد، وضمان استدامة الزراعة، بما ينعكس مباشرة على استقرار الغذاء في مصر.
الفلاح أولًا.. شراكة مع وزارة الزراعة والبنوك
ورفع شأن الفلاح هو المدخل الحقيقي لأي نهضة زراعية، ودور الجمعيات هنا لا يقل أهمية عن دور الدولة نفسها،
فمن خلال التناغم الكامل مع وزارة الزراعة، والتعاون مع البنوك والمؤسسات التمويلية، يمكن للجمعيات أن تسهم في:
• تسهيل حصول الفلاح على التمويل الميسر.
• تخفيف أعباء التكلفة المرتفعة.
• تنظيم العلاقة بين المزارع والجهات التمويلية بما يضمن حقوق الطرفين.
وهذه الشراكة الثلاثية (الجمعيات – وزارة الزراعة – البنوك) قادرة على إعادة الاعتبار للفلاح كعنصر إنتاج لا غنى عنه.
الزراعات التعاقدية.. حماية الإنتاج وضمان التسويق
ومن أهم الأدوار المنتظرة للجمعيات الزراعية خلال المرحلة المقبلة، التوسع الجاد في الزراعات التعاقدية،
فالزراعة التعاقدية توفر للفلاح:
• سعرًا عادلًا قبل الزراعة.
• سوقًا مضمونًا لتصريف المحصول.
• استقرارًا ماليًا يقلل من المخاطر.
كما تخدم الدولة في التخطيط للمحاصيل الاستراتيجية، وتقليل الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، وهو ما يجعل الجمعيات حلقة محورية في هذه المنظومة.
الميكنة الزراعية.. طريق الحداثة وزيادة الإنتاج
لا يمكن الحديث عن مستقبل الزراعة دون التطرق إلى الميكنة الزراعية، فارتفاع تكاليف العمالة، ونقص الأيدي العاملة المدربة، يفرضان ضرورة التحول إلى الزراعة الحديثة، وهنا يبرز دور الجمعيات في:
• توفير خدمات الميكنة للفلاحين بأسعار مناسبة.
• تنظيم استخدام المعدات الزراعية بشكل جماعي.
• التنسيق مع وزارة الزراعة لإدخال التكنولوجيا الحديثة إلى الحقول.
• الميكنة ليست رفاهية، بل أداة أساسية لزيادة الإنتاج وخفض التكاليف.

بداية عهد جديد
واللقاء الذي عُقد مؤخرًا بوزارة الزراعة، بحضور قيادات الجمعيات والاتحاد التعاوني، يمثل نقطة تحول حقيقية، فقد حمل اللقاء رسالة واضحة بأن المرحلة المقبلة لن تكون امتدادًا لما سبق، بل بداية عهد جديد تعود فيه الجمعيات إلى دورها الذي أُسست من أجله.
وهذا اللقاء عكس وعدًا صريحًا بتغيير آليات العمل، والارتقاء بالأداء المؤسسي، وتعزيز التنسيق مع الوزارة، بما يضمن فاعلية أكبر على أرض الواقع.
الاتحاد التعاوني.. بوابة التطوير المؤسسي
والدور المنوط بالاتحاد التعاوني الزراعي أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى، فهو الإطار الجامع الذي يمكن من خلاله:
• توحيد الرؤية بين الجمعيات.
• نقل السياسات الزراعية إلى مستوى التنفيذ.
• تطوير الأداء الإداري والفني.
وما تم الاتفاق عليه خلال الاجتماع الأخير يُعد طفرة نوعية إذا ما جرى تطبيقه بجدية، بعيدًا عن الشكلية والروتين.
من توزيع الأسمدة إلى سند حقيقي للزراعة
لم يعد مقبولًا أن يقتصر دور الجمعيات الزراعية على توزيع الأسمدة فقط والمطلوب هو تحولها إلى سند حقيقي للفلاح والزراعة المصرية، في كل مراحل الإنتاج، من التخطيط وحتى التسويق.
وهذا التحول هو جوهر المرحلة القادمة، وهو المعيار الحقيقي لنجاح الجمعيات في استعادة ثقة الفلاح والدولة معًا.
وإن عودة الجمعيات الزراعية إلى دورها الأساسي ليست مجرد إصلاح إداري، بل خطوة استراتيجية لتحقيق الأمن الغذائي لجموع المصريين ومع التناغم الكامل مع وزارة الزراعة، والعمل جنبًا إلى جنب مع الفلاح، تصبح الجمعيات ركيزة أساسية في بناء مستقبل زراعي قوي، يليق بمصر وتاريخها الزراعي، ويؤسس لمرحلة جديدة عنوانها: إنتاج أكثر، فلاح أقوى، وغذاء آمن لكل المصريين.
