معركة الأجور في مصر.. القصة الكاملة وراء تحديد الحد الأدنى للأجور
الحد الأدنى للأجور واحدا من أكثر الملفات حساسية في أي اقتصاد، ليس لأنه رقم يكتب في قرار حكومي، بل لأنه خلاصة معادلة معقدة تجمع بين ما ينتجه الاقتصاد وما يستهلكه المواطن وما يتحمله سوق العمل، فالدول لا تحدد الحد الأدنى للأجور اعتباطا، وإنما تبنيه على شبكة من المؤشرات تبدأ من التضخم والقدرة الشرائية، وتمر بمعدلات البطالة وهيكل الأجور داخل القطاعات المختلفة، وتنتهي عند تكلفة المعيشة وسلة الاحتياجات الأساسية للفرد.
وبين هذه الدوائر المتشابكة يُعاد ضبط الحد الأدنى للأجور ليكون حدًا فاصلًا بين الدخل الذي يسمح بالحياة الكريمة، والدخل الذي يدفع صاحبه إلى دوامة العجز والضغط المعيشي، في ظل اقتصاد تتغير أسعاره وتكاليفه بوتيرة لا تتوقف.
كيف يتم تحديد الحد الأدنى للأجور؟
في مقاربة أكثر عمقًا لملف الحد الأدنى للأجور، يضع الدكتور سمير رؤوف، الخبير الاقتصادي، هذا الملف في إطاره الصحيح بوصفه نتاجًا مباشرًا لتوازن دقيق بين الاقتصاد الكلي والواقع المعيشي للأفراد، مؤكدًا أن تحديد الأجور لا يمكن أن يُبنى على قرار إداري أو رقم مجرد، بل على منظومة متشابكة من المعايير الاقتصادية الدولية والمحلية.

وقال "رؤوف"، في تصريحات خاصة لـ بانكير، إن التضخم يأتي في صدارة هذه المعايير، باعتباره العامل الأكثر تأثيرًا في القيمة الحقيقية للدخل، فكل ارتفاع في مستويات الأسعار يعني تآكلًا مباشرًا في القوة الشرائية، حتى وإن ظلت الأجور ثابتة اسميًا، وهو ما يحول أي زيادة غير مرتبطة بالتضخم إلى زيادة شكلية لا تعكس تحسنًا فعليا في مستوى المعيشة.
القدرة الشرائية: ما يستطيع الدخل شراءه من سلع وخدمات
ويرتبط بذلك، بحسب الخبير الاقتصادي، معيار القدرة الشرائية، الذي لا يقاس فقط بحجم الدخل، بل بما يستطيع هذا الدخل شراءه من سلع وخدمات، في ظل هيكل إنفاق يتأثر بشدة بأسعار الغذاء والطاقة والسلع المستوردة، فكلما زادت فاتورة الاستيراد داخل الاقتصاد، ارتفعت تكاليف المعيشة، واتسعت الفجوة بين ما يحصل عليه الفرد وما ينفقه، لتتحول الأجور إلى عبء معيشي بدلًا من كونها أداة استقرار.
وأكد رؤوف أن سوق العمل نفسه يفرض معاييره الخاصة، إذ لا توجد كتلة واحدة للأجور داخل الاقتصاد، بل تتعدد وفق القطاعات والمهن، فالأجور تختلف جذريا بين الصحافة، وهندسة البرمجيات، وهندسة البترول، وغيرها من الأنشطة ذات القيم المضافة المتباينة، بينما تميل الأجور داخل المهنة الواحدة إلى التقارب النسبي، لأن السوق يحدد لها نطاقًا شبه موحد.
الأجور الأعلى.. أين تتركز؟
وأضاف أن هذا التفاوت بين القطاعات لا يعكس ظلمًا بالضرورة، بل يعكس القيمة الاقتصادية لكل نشاط ومدى ارتباطه بالإنتاج والعائد، فالأجور الأعلى تتركز عادة في القطاعات الأعلى إنتاجية أو الأكثر ارتباطًا بالاقتصاد العالمي، بينما تكون أقل في الأنشطة ذات العائد المحدود.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن معدل البطالة عنصر حاكم في معادلة الأجور، لأن ارتفاعه يضعف القوة التفاوضية للعمال ويضغط على مستويات الدخول، في حين أن انخفاضه يرفع متوسط الأجور ويمنح العامل قدرة أكبر على تحسين شروطه المعيشية.
وتابع: "في المقابل، لا يمكن فصل الأجور عن القدرة الإنتاجية للاقتصاد، فرفع الدخول دون زيادة مقابلة في الإنتاج يؤدي إلى اختلالات في التسعير وتضخم إضافي، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن نفسه".. لافتا إلى أن الربط بين مستويات الأجور ومعدلات الإنتاج هو شرط أساسي لاستدامة أي سياسة عادلة للأجور.

هذا ما تضعه الحومة في الاعتبار عن تحديد الأجور
وعلى المستوى الاجتماعي، يوضح الدكتور سمير رؤوف أن الدولة حين تضع الحد الأدنى للأجور فإنها تأخذ في الاعتبار سلة المعيشة الأساسية، التي تشمل التعليم، والصحة، والسكن، والمواصلات، والطاقة، سواء من خلال أسعار الوقود أو الغاز، باعتبارها عناصر لا غنى عنها في حياة الفرد اليومية، وتمثل الحد الأدنى المقبول للحياة الكريمة.
واختتم الخبير الاقتصادي تحليله بالإشارة إلى مفهوم “حد الكفاف” المعتمد دوليًا، والذي يرتبط بخط الفقر الذي حددته الأمم المتحدة عند أقل من دولار واحد يوميًا للفرد، باعتباره حد الفقر المدقع، فكل من يقل دخله عن هذا المستوى يكون خارج دائرة المشاركة الاقتصادية الفعلية، بينما يبدأ الفرد في الاندماج في النشاط الاقتصادي عندما يتجاوز هذا الحد، وهو ما يفسر الفجوة الواسعة بين الدول في مستويات الأجور والدخول، ويضع ملف الأجور في مصر داخل سياقه الاقتصادي الحقيقي.
