فاتورة الحرب الإيرانية تصل للمواطنين.. مخاوف التضخم بعد رفع سعر المحروقات
جاء قرار تحريك أسعار الوقود في مصر في لحظة عالمية شديدة الحساسية، حيث تعيش أسواق الطاقة حالة من التقلبات غير المسبوقة نتيجة تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الخليج وارتفاع أسعار النفط عالمياً. وفي ظل هذا المشهد المضطرب.
يرى خبراء الاقتصاد أن العلاقة بين أسعار الطاقة والتضخم تعد من أكثر الروابط تأثيراً في الاقتصاد، إذ تنتقل آثارها بسرعة إلى تكاليف الإنتاج والنقل وسلاسل الإمداد، لتنعكس في النهاية على أسعار السلع والخدمات التي يتحملها المواطن.
ويتوقع خبراء أن تشهد الأسواق المصرية موجة تضخم جديدة خلال الفترة المقبلة، مع ارتفاع متوقع في أسعار العديد من السلع والخدمات بوتيرة قد تتجاوز قدرة المواطنين على التحمل، ويذهب البعض إلى أن الحكومة لجأت إلى الخيار الأسهل، وهو نقل جزء كبير من فاتورة الأزمات العالمية والحروب الدائرة في المنطقة إلى المستهلك المحلي عبر تحريك أسعار المحروقات.
وفي هذا السياق، أوضح الدكتور حسام الغايش، خبير أسواق المال ودراسات الجدوى الاقتصادية، أن ارتفاع أسعار الوقود أصبح تحدياً يتطلب إعادة تقييم شاملة لسياسات الطاقة في مصر، خاصة مع اعتماد السوق المحلية بشكل كبير على متغيرات خارجية.
وأكد أن الأداء الحكومي في التعامل مع الملف كان أقرب إلى رد الفعل الدفاعي، مشيراً إلى ضرورة تبني رؤية استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى تعزيز الاستقلال الطاقي وتحويل مصر إلى مركز مستدام لإنتاج وتصدير الطاقة.
وأشار «الغايش» إلى أن قرار الزيادة لم يكن وليد عامل واحد، بل جاء نتيجة تداخل مجموعة من الضغوط العالمية والمحلية، فالتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط دفعت أسعار النفط الخام إلى مستويات مرتفعة تجاوزت 93 دولاراً للبرميل، مقارنة بتقديرات الموازنة العامة التي بُنيت على سعر يقارب 75 دولاراً فقط. كما أدت هذه التوترات إلى اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، وارتفاع تكاليف الشحن البحري والتأمين على ناقلات النفط، فضلاً عن زيادة المخاطر في ممرات حيوية مثل البحر الأحمر ومضيق هرمز.
وأضاف أن ارتفاع قيمة الدولار مقابل الجنيه المصري ساهم بدوره في زيادة تكلفة استيراد المنتجات البترولية، بينما لعبت سياسة تخفيف الدعم التدريجي على المحروقات دوراً في نقل جزء من العبء إلى المستهلك، في محاولة لاحتواء فاتورة الطاقة المتضخمة. وعلى المستوى المحلي، أدى الفارق الكبير بين الأسعار العالمية والمحلية إلى خلق فجوة مالية ضخمة، ما دفع لجنة التسعير التلقائي إلى اتخاذ قرار بزيادة استثنائية في الأسعار وصلت نسبتها إلى نحو 16.9%، في واحدة من أكبر الزيادات خلال السنوات الأخيرة.
ويرى الغايش أن هذه المعطيات مجتمعة ترسم صورة لاقتصاد يواجه تحديات كبيرة في التعامل مع الصدمات الخارجية، ما يجعل مسار أسعار الوقود خلال الفترة المقبلة مرتبطاً بعدة سيناريوهات محتملة. ففي السيناريو المتفائل، قد يتراجع سعر النفط عالمياً إلى ما بين 55 و56 دولاراً للبرميل بحلول نهاية عام 2026، مدفوعاً بزيادة الإنتاج العالمي وتراجع التوترات الجيوسياسية، وهو ما قد يسمح باستقرار الأسعار المحلية أو حتى تراجعها بشكل طفيف.
أما السيناريو المتوسط، فيفترض استمرار حالة التقلبات في الأسواق مع بقاء علاوة المخاطر الجيوسياسية، بحيث يتراوح سعر البرميل بين 70 و80 دولاراً إذا استمرت التوترات دون تصعيد كبير. وفي هذه الحالة قد تشهد مصر زيادات إضافية متفرقة في أسعار الوقود تتراوح بين 10 و15%، ما قد يدفع معدلات التضخم إلى مستويات تقارب 20% في أسعار السلع الأساسية نتيجة ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج.
وفي حال تحقق هذا السيناريو، فإن تداعياته لن تقتصر على الأسواق فقط، بل قد تمتد إلى قطاعات التصنيع والزراعة والخدمات، مع ضغوط متزايدة على القدرة الشرائية للمواطنين، لتبقى معادلة الطاقة والتضخم واحدة من أصعب التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري في المرحلة المقبلة.




