الأحد 18 أكتوبر 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
تحليل

من الحرب إلى الديون وأسعار الفائدة.. هل ينجو الاقتصاد العالمي من أزمة جديدة؟

الأحد 18/أكتوبر/2026 - 10:34 ص
 الاقتصاد العالمي
الاقتصاد العالمي

يواصل الاقتصاد العالمي إظهار قدر ملحوظ من الصمود رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الفائدة وتزايد المخاوف بشأن الديون الحكومية، فالحرب في إيران لم تُحدث حتى الآن سوى تأثير محدود نسبيًا على النمو، فيما لم تنجح تكاليف الاقتراض المرتفعة في كبح النشاط الاقتصادي، بالتزامن مع طفرة استثمارية يقودها الذكاء الاصطناعي.

لكن استمرار هذا الأداء ليس مضمونًا إلى ما لا نهاية، إذ تواجه الاقتصادات ضغوطًا متزايدة نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة، وتأثير الظواهر الجوية المتطرفة في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب مخاوف من المبالغة في الإنفاق على التقنيات والبنية التحتية اللازمة لتشغيل مراكز البيانات.

ويطرح هذا المشهد تساؤلات بشأن طبيعة التباطؤ الاقتصادي المقبل: هل سيكون محدودًا، كما حدث بعد انفجار فقاعة شركات الإنترنت عام 2001، أم أشد وطأة، على غرار الأزمة المالية العالمية عام 2008 أو الانكماش الذي صاحب الإغلاقات خلال جائحة كوفيد-19؟

صندوق النقد الدولي يرفع توقعاته للنمو العالمي

تبدو لحظة الحساب بعيدة نسبيًا في الوقت الراهن، بعدما توقع صندوق النقد الدولي تسارع نمو الاقتصاد العالمي إلى 3.4% في عام 2027، مقابل نمو يُقدر بنحو 3.1% خلال عام 2026، في تحسن طفيف مقارنة بالتوقعات السابقة.

ومن المتوقع أن تظل الولايات المتحدة والصين ضمن الاقتصادات الأفضل أداءً، مع ترجيحات بتجاوز النمو الأمريكي التقديرات السابقة بدرجة محدودة، بينما يُتوقع أن ينمو الاقتصاد الصيني بنسبة 4%، دون تغيير عن التوقعات السابقة.

في المقابل، تبدو آفاق الاقتصاد الفرنسي أقل تفاؤلًا، وسط ضغوط على أسواق السندات وارتفاع عوائد الديون طويلة الأجل، ما يعكس تزايد قلق المستثمرين بشأن قدرة الحكومات على ضبط أوضاع المالية العامة.

وجاءت توقعات صندوق النقد الدولي خلال اجتماعاته السنوية في بانكوك، لتؤكد أن السيناريو الاقتصادي الأسوأ لم يتحقق حتى الآن، رغم سلسلة من الصدمات التي واجهت الأسواق خلال الفترة الماضية.

فمنذ عام، كانت الأسواق تستوعب تداعيات الرسوم الجمركية الأمريكية المرتفعة، وسط مخاوف بشأن مستقبل الدولار واحتمالات التخارج من الأصول الأمريكية، لكن تلك المخاوف تراجعت، كما لم تؤدِ قفزة أسعار النفط التي أعقبت الهجوم الأمريكي على إيران إلى تقويض الآفاق الاقتصادية بالقدر الذي كان يخشاه بعض المستثمرين.

ما الذي يحمي الاقتصاد العالمي من الانكماش؟

توضح التجارب السابقة أن دفع معدلات النمو العالمي بعيدًا عن نطاق 3% يتطلب عادة صدمات اقتصادية واسعة النطاق، فقد أدت جائحة كوفيد-19 إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 2.7%، فيما دفعت أزمة الرهن العقاري عالي المخاطر الاقتصاد العالمي نحو الانكماش.

وفي المقابل، يعكس الأداء الحالي قدرة الاقتصادات على امتصاص بعض الصدمات، مدعومة بالاستثمار في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي واستمرار النشاط الاقتصادي في عدد من الاقتصادات الكبرى.

لكن هذا الصمود لا يلغي مواطن الضعف؛ فارتفاع أسعار الطاقة يزيد تكاليف الإنتاج والنقل، كما تؤثر الظواهر الجوية المتطرفة في المعروض من السلع الأساسية وأسعارها، ويضاف إلى ذلك القلق بشأن حجم الاستثمارات الموجهة إلى مراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وما إذا كانت العوائد المستقبلية ستبرر الإنفاق الضخم عليها.

البنوك المركزية أمام اختبار جديد

يعتمد استمرار السيناريو الاقتصادي الإيجابي جزئيًا على قدرة صناع السياسات على تجنب أخطاء قد تؤدي إلى تفاقم الضغوط الحالية، وحتى الآن، تتجه البنوك المركزية إلى التعامل بحذر مع استمرار التضخم فوق المستويات المستهدفة في عدد من الاقتصادات.

وتشير التوقعات الواردة في التقرير إلى احتمال عودة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى رفع أسعار الفائدة بعد زيادة طفيفة الشهر الماضي، فيما صدرت عن البنك المركزي الأوروبي والبنوك المركزية في الهند وأستراليا إشارات متشددة مماثلة بشأن السياسة النقدية.

غير أن السؤال الأصعب يتعلق بقدرة السلطات النقدية والمالية على احتواء أزمة كبيرة إذا تعرض الاقتصاد العالمي لصدمة جديدة، وما إذا كانت أدوات التدخل المتاحة ستظل بالفاعلية نفسها التي أظهرتها خلال الأزمات السابقة.

ويبرز هنا تحدي محدودية الحيز المالي لدى عدد من الاقتصادات المتقدمة، بعدما ارتفعت عوائد السندات، ما يزيد تكلفة الاقتراض ويضيّق قدرة الحكومات على تمويل برامج الدعم أو التحفيز الاقتصادي.

الديون الحكومية تضيق خيارات الإنقاذ

قد تجد الحكومات نفسها أمام خيارات أكثر صعوبة إذا دخل الاقتصاد العالمي مرحلة تباطؤ حاد، إذ تبدو موازنات عدد من الاقتصادات المتقدمة قريبة من استنفاد قدرتها على تحمل مزيد من الديون، بينما تعكس أسواق السندات شكوكًا بشأن استدامة المالية العامة.

وتبرز فرنسا مثالًا على هذه الضغوط، مع ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل وتصاعد التوترات الاجتماعية، وهو ما قد يجعل معالجة اختلالاتها المالية أكثر تعقيدًا مقارنة بتجارب سابقة في دول مثل البرتغال واليونان.

وفي هذا السياق، يرى رئيس سنغافورة ثارمان شانموغاراتنام أن اضطرابات أسواق الدخل الثابت قد توفر فرصة للقادة لإعادة ترتيب أوضاع المالية العامة، خصوصًا أن التسويات الصعبة بشأن الموازنات قد تصبح أكثر قابلية للتحقق عندما تلوح عواقب اقتصادية خطيرة في الأفق.

وخلال حلقة نقاشية بجامعة سنغافورة الوطنية، بمشاركة كريستالينا غورغييفا، مديرة صندوق النقد الدولي، شدد ثارمان على أهمية استغلال هذه الفرصة، واستعانت غورغييفا بصورة مستوحاة من أغنية «سلم إلى الجنة» لفرقة الروك ليد زيبلين، لتشبيه تراكم الديون بسُلّم لا يقود بالضرورة إلى الوجهة المنشودة.

أزمة آسيا تذكِّر الأسواق بأن المفاجآت واردة

تظل التوقعات الإيجابية للاقتصاد العالمي محاطة بتحفظات مهمة، إذ قد تحمل المخاطر الكامنة تأثيرًا أكبر من الصورة التي ترسمها التقديرات الأساسية للنمو.

وتقدم التجربة الآسيوية في تسعينيات القرن الماضي مثالًا على صعوبة التنبؤ بالأزمات، ففي عام 1991، عندما استضافت تايلندا الاجتماعات الرئيسية لصندوق النقد الدولي، كانت دول المنطقة تتجه نحو سنوات من النمو القوي، بالتزامن مع انهيار الاتحاد السوفييتي وصعود العولمة والازدهار الاقتصادي في النقاشات الدولية.

لكن المنطقة واجهت لاحقًا أزمة عملات وركودًا حادًا قبل نهاية العقد، بعدما أشعل قرار بانكوك التخلي عن دعم عملة البات شرارة اضطرابات امتدت إلى اقتصادات آسيوية أخرى.

أما تايلندا اليوم، فيحقق اقتصادها أداءً معقولًا، لكنه لا يقدم نتائج استثنائية، ويعكس ذلك مفارقة المشهد العالمي الراهن: قدرة الاقتصاد على الصمود في مواجهة الصدمات لا تعني اختفاء المخاطر، كما أن تحسن توقعات النمو لا يستبعد احتمال حدوث أزمة جديدة.