حرب إيران وأزمة الطاقة والديون تهدد الاقتصاد العالمي.. وتحذير من شتاء اقتصادي صعب
تواجه اقتصادات العالم مرحلة شديدة التعقيد، مع تصاعد تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، وتفاقم أزمة إمدادات الطاقة، وارتفاع أسعار الفائدة وأعباء الديون، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تباطؤ النمو العالمي واتساع الضغوط المعيشية، خصوصًا في الدول النامية والاقتصادات الأكثر هشاشة.
وتتصدر هذه التحديات اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي المنعقدة في تايلاند، وسط ترقب لقرارات صناع السياسات بشأن احتواء التضخم، وتأمين إمدادات الطاقة، وتخفيف الأعباء المالية التي تثقل كاهل الحكومات والمواطنين.
وتكتسب الاجتماعات أهمية استثنائية في ظل اتساع تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وما ترتب عليها من اضطرابات في أسواق النفط والوقود، إلى جانب تصاعد المخاطر الجيوسياسية التي تزيد صعوبة التوصل إلى حلول اقتصادية مستدامة.
صدمة الطاقة تعيد مخاوف التضخم إلى الواجهة
تفرض اضطرابات إمدادات الطاقة ضغوطًا متزايدة على الاقتصاد العالمي، خصوصًا مع تعطل حركة الإمدادات عبر مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الممرات الحيوية لتجارة النفط العالمية.
ومع ارتفاع أسعار الديزل والأسمدة، تتزايد المخاوف من انتقال آثار الأزمة إلى قطاعات النقل والزراعة والغذاء، بما قد يؤدي إلى موجة جديدة من ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للأسر.
وحذر رئيس البنك الدولي أجاي بانغا من تزامن عدة عوامل ضاغطة، تشمل ارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة، وتزايد أعباء الديون، والمخاطر المناخية المرتبطة بظاهرة النينيو، مؤكدًا أن اجتماع هذه التحديات يخلق ضغوطًا إضافية على الاقتصادات في مختلف أنحاء العالم.
وفي محاولة لاحتواء تداعيات أزمة الطاقة، وافقت دول مجموعة السبع على الإفراج عن 100 مليون برميل من النفط الخام والمنتجات النفطية من الاحتياطيات الطارئة. كما أثار الاتفاق الأميركي الروسي بشأن توفير إمدادات إضافية من الديزل، بالتزامن مع إعفاء مؤقت من بعض العقوبات، جدلًا سياسيًا على خلفية الحرب الروسية الأوكرانية.
ورغم هذه التحركات، تتزايد المخاوف من تراجع كميات النفط المتاحة للتداول في الأسواق العالمية، بعد السحب المكثف من المخزونات منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير، وهو ما قد يجعل الأسواق أكثر حساسية لأي اضطرابات جديدة.
صندوق النقد يحذر من تصاعد أزمة الديون
لا تقتصر المخاطر على أسواق الطاقة، إذ تبرز الديون العامة باعتبارها أحد أكبر التحديات أمام الحكومات، في ظل ارتفاع تكاليف الاقتراض وتزايد الاحتياجات التمويلية.
وحذرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا من صعوبة المرحلة المقبلة، مستخدمة عبارة «الشتاء قادم» للتعبير عن حجم التحديات الاقتصادية المنتظرة.
وتشير تقديرات الصندوق إلى نمو الاقتصاد العالمي بنحو 3% خلال عام 2026، مع احتمالات لإجراء تعديلات محدودة على توقعات العام التالي، إلا أن هذه الصورة الإجمالية تخفي تفاوتًا كبيرًا بين الاقتصادات، إذ تواجه دول عدة احتمالات لخفض توقعات نموها نتيجة الصراعات واضطرابات التجارة والطاقة.
ويزيد ارتفاع الدين العام من صعوبة التعامل مع الأزمات، بعدما وصلت مستوياته إلى معدلات غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية، مع توقعات بتجاوز الدين العالمي 100% من الناتج المحلي الإجمالي قبل عام 2030.
وتواجه الدول النامية تحديات مضاعفة، إذ تتجاوز مدفوعات الفائدة، في المتوسط، 10% من إيراداتها، ما يقلص الموارد المتاحة للإنفاق على الصحة والتعليم والبنية التحتية، ويحد من قدرتها على مواجهة الصدمات الاقتصادية.
كما أن ارتفاع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة قد يدفع رؤوس الأموال إلى الخروج من الأسواق الناشئة بحثًا عن عوائد أعلى، الأمر الذي يزيد الضغوط على العملات المحلية ويضاعف تكلفة خدمة الديون وإعادة تمويلها.
الدول النامية بين التقشف والاحتجاجات الاجتماعية
تثير الأزمة مخاوف متزايدة بشأن قدرة الدول منخفضة الدخل على الوفاء بالتزاماتها المالية دون اللجوء إلى إجراءات تقشفية قاسية، في ظل تراجع المساحات المتاحة أمام الحكومات لدعم الفئات الأكثر احتياجًا.
وتشير المناقشات المرتبطة ببرامج الإقراض إلى توجه نحو تقليل عدد الإصلاحات المطلوبة من الدول المستفيدة، مع التركيز على تنفيذ إصلاحات أقل عددًا وأكثر عمقًا. غير أن هذا النهج يثير مخاوف من زيادة الضغوط على الإنفاق العام وفرض أعباء إضافية على المواطنين.
وفي هذا السياق، حذرت يولاندا فريسنيلو، العاملة في مجال العدالة المتعلقة بالديون لدى منظمة «يوروداد»، من أن خفض الإنفاق العام وارتفاع مدفوعات الديون يفرضان بالفعل ضغوطًا شديدة على المجتمعات، معتبرة أن أي تشديد إضافي لشروط الإقراض قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة.
وتقدم كينيا مثالًا على هذه المعضلة، بعدما اتجهت إلى خفض الإنفاق وزيادة الضرائب في محاولة لتجنب إعادة هيكلة ديونها، وهي إجراءات ساهمت في اندلاع احتجاجات واسعة، خصوصًا بين الشباب.
وتتراجع فرص التوصل إلى مبادرات دولية واسعة لتخفيف أعباء الديون مقارنة بما حدث خلال جائحة كورونا، عندما اتفقت دول مجموعة العشرين على تعليق مدفوعات خدمة الدين للدول الأشد فقرًا، في ظل تعقيدات مالية وسياسية أكبر تواجه الحكومات حاليًا.
وفي المحصلة، تقف المؤسسات المالية الدولية أمام اختبار صعب يتمثل في تحقيق التوازن بين مكافحة التضخم، والحفاظ على الاستقرار المالي، ودعم النمو، وتجنب تحميل الفئات الأكثر هشاشة تكلفة الأزمات المتلاحقة.
ومع استمرار الحرب واضطراب أسواق الطاقة وارتفاع الديون، ستتوقف قدرة الاقتصاد العالمي على الصمود على مدى نجاح الحكومات والمؤسسات الدولية في تنسيق استجابتها، وتوفير التمويل اللازم للدول الأكثر تضررًا، ومنع تحول الصدمات الحالية إلى أزمة اقتصادية واجتماعية أوسع نطاقًا.
