رئيس المجلس الأوروبي يحدد موعدًا لحسم الميزانية الجديدة ويكشف أولويات الإنفاق
دعا رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا إلى إنجاز الاتفاق بشأن الميزانية طويلة الأجل للاتحاد الأوروبي قبل نهاية عام 2026، تمهيدًا لبدء تنفيذها في الأول من يناير 2028، بما يضمن استمرار تدفق التمويلات المخصصة لمختلف القطاعات والفئات في الدول الأوروبية دون انقطاع.
وتشمل الجهات المستفيدة من هذه التمويلات المزارعين والعمال والباحثين والشركات، إلى جانب المدن والأقاليم في أنحاء أوروبا، في وقت يسعى فيه الاتحاد إلى إعادة ترتيب أولوياته المالية لمواكبة التحولات الدولية والتحديات المتزايدة.
وخلال مؤتمر صحفي أعقب انتهاء القمة الاجتماعية الثلاثية، التي تجمع ممثلين عن العمال وأصحاب الأعمال والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، أوضح كوستا أن الاتفاق على الميزانية المقبلة يُعد من أهم القرارات المطروحة خلال المرحلة السياسية الحالية، في ظل التغيرات العميقة التي يشهدها العالم والحاجة إلى تحديد أولويات الإنفاق الأوروبي.
ميزانية جديدة لمواجهة التحديات
وأكد كوستا أن أوروبا تحتاج إلى ميزانية أكثر تطورًا، تقوم على هيكل جديد لتوزيع الموارد وتمنح صناع القرار مرونة أكبر في الاستجابة للتغيرات المتلاحقة.
وأوضح أن دور الميزانية لا يتوقف عند توزيع الأموال على القطاعات المختلفة، بل يمتد إلى تحويل الأهداف المشتركة للاتحاد إلى خطوات عملية، من خلال الاستثمار في الأمن وتعزيز الازدهار الاقتصادي والحفاظ على التماسك الاجتماعي.
وشدد رئيس المجلس الأوروبي على أهمية الالتزام بالموعد المحدد للتوصل إلى اتفاق، محذرًا من أن تسوية الخلافات المرتبطة بالملفات المعقدة تتطلب إرادة سياسية وقدرًا من التوافق والمسؤولية المشتركة بين الدول الأعضاء.
التنافسية الأوروبية وتحسين معيشة المواطنين
وفيما يتعلق بتعزيز تنافسية الاقتصاد الأوروبي، أكد كوستا أن زيادة القدرة على المنافسة لا ينبغي أن تكون غاية منفصلة عن احتياجات المواطنين، وإنما وسيلة لتحسين فرص العمل، ودعم الشركات، ورفع مستويات المعيشة.
وأشار إلى أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب توفير بيئة تساعد الشركات الأوروبية على التوسع، وتشجع الابتكار، وتدعم تحقيق نمو اقتصادي مستدام يعود بالنفع على الأجيال المقبلة، مع الحفاظ على التوازن بين المتطلبات الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.
وأوضح أن هذه الرؤية تمثل أحد الأسس الرئيسية لأجندة «أوروبا واحدة، سوق واحدة»، التي جرى الاتفاق عليها في مارس الماضي، لافتًا إلى أن قادة الاتحاد الأوروبي يسعون إلى تسريع تنفيذ بنودها وتحويلها إلى نتائج ملموسة.
وأضاف أن الاتحاد بدأ بالفعل اتخاذ خطوات عملية للانتقال من مرحلة التعهدات إلى التنفيذ، من خلال العمل على تقليل الإجراءات الإدارية المرهقة، وتطوير اتحاد الادخار والاستثمار، وإزالة العقبات التي تعترض حركة الأعمال داخل السوق الموحدة، فضلًا عن تيسير انتقال العمالة بطريقة أكثر سلاسة وإنصافًا.
ولخص كوستا توجه الاتحاد في ضرورة إزالة الحواجز التي تعوق النشاط الاقتصادي، وفتح المجال أمام فرص جديدة، والعمل على بناء اقتصاد أوروبي أكثر قوة وقدرة على المنافسة.
الإسكان الميسور يدخل ضمن أولويات الإنفاق
وتطرق رئيس المجلس الأوروبي إلى أزمة الإسكان، مشيرًا إلى أن المفوضية الأوروبية طرحت مؤخرًا مشروع قانون بشأن الإسكان الميسور التكلفة، وذلك بعد مناقشات داخل المجلس الأوروبي وتوجيهات صدرت في هذا الشأن.
وكشف كوستا أن مشروع الميزانية طويلة الأجل المقبلة يتضمن، للمرة الأولى، تخصيص تمويل لسياسات الإسكان، معتبرًا أن هذه الخطوة تتجاوز تلبية الاحتياجات السكنية للمواطنين، لتصبح جزءًا من الجهود الرامية إلى تعزيز تنافسية الاقتصاد الأوروبي.
وشدد على ضرورة تمكين المواطنين من الحصول على مساكن تتناسب مع قدراتهم المالية في المناطق التي تتوافر بها فرص العمل، بما يحقق ارتباطًا بين سياسات الإسكان وإمكانية الوصول إلى الوظائف.
تقلبات أسعار الطاقة تفرض تحركًا أوروبيًا
وفي ملف الطاقة، حذر كوستا من أن الارتفاعات والتقلبات في الأسعار تفرض ضغوطًا متزايدة على الأسر والشركات، كما تؤثر سلبًا في قدرة الاقتصادات الأوروبية على المنافسة.
وأوضح أن ملف الطاقة سيكون من القضايا الرئيسية المطروحة خلال اجتماع المجلس الأوروبي المقرر عقده في اليوم التالي لتصريحاته، مؤكدًا أن مواجهة هذه الضغوط تستلزم تنسيقًا بين الدول الأوروبية واتخاذ إجراءات مشتركة.
وأشار إلى أن التحرك المطلوب يتضمن تدابير محددة الأهداف ومؤقتة، من شأنها تخفيف الأعباء المباشرة عن الأسر والشركات والمساعدة في الحد من تقلبات الأسعار.
وأكد أن حماية المواطنين الأوروبيين وتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الأزمات والتحديات يمثلان أولوية في التعامل مع ملف الطاقة.
النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية مساران متكاملان
وفي ختام تصريحاته، أكد كوستا أن المناقشات التي شهدتها القمة الاجتماعية عززت أهمية التعامل مع القوة الاقتصادية لأوروبا ونموذجها الاجتماعي باعتبارهما مسارين متكاملين، مشددًا على ضرورة عدم الفصل بين تحقيق النمو الاقتصادي وتعزيز العدالة الاجتماعية.
كما أعرب عن تطلعه إلى المشاركة في استضافة قمة اجتماعية خلال عام 2027، بالتعاون مع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، بمناسبة مرور عشر سنوات على إطلاق الركيزة الأوروبية للحقوق الاجتماعية.
واختتم رئيس المجلس الأوروبي بالتأكيد أن بناء اتحاد أوروبي أكثر قوة يجب أن يسير بالتوازي مع العمل على تحقيق مزيد من العدالة، معتبرًا أن الجمع بين التقدم الاقتصادي والتماسك الاجتماعي يمثل هدفًا أساسيًا يسعى الاتحاد إلى تحقيقه.
