السبت 10 أكتوبر 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
بنوك خارجية

صندوق سوريا السيادي يضم أصولاً بـ50 مليار دولار.. كيف تعيد حكومة الشرع رسم خريطة الاقتصاد؟

السبت 10/أكتوبر/2026 - 05:52 م
الرئيس السوري أحمد
الرئيس السوري أحمد الشرع

تتجه الحكومة السورية إلى إعادة ترتيب المشهد الاقتصادي عبر صندوق سيادي تديره الدولة، يضم أصولاً وشركات تُقدّر قيمتها بنحو 50 مليار دولار، تشمل ممتلكات حكومية وأصولاً صودرت من رجال أعمال مرتبطين بنظام بشار الأسد السابق. ووفقاً لصحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية، يسعى الصندوق إلى توظيف هذه الثروة في إعادة بناء الاقتصاد السوري، وفتح المجال أمام الاستثمارات الأجنبية، خصوصاً الخليجية، في قطاعات حيوية تشمل الاتصالات والعقارات والصناعة والمصارف.

ويكتسب الصندوق أهمية متزايدة مع تحركات دمشق لاستقطاب رؤوس الأموال وتطوير البنية الاقتصادية بعد سنوات من الحرب والعقوبات، لكنه يواجه في الوقت نفسه تساؤلات بشأن مستوى الشفافية، وآليات إدارة الأصول، والنزاعات القانونية المرتبطة بملكية بعض الممتلكات.

محفظة ضخمة تضم قطاعات اقتصادية متنوعة

أنشأ الرئيس السوري أحمد الشرع الصندوق العام الماضي، ليصبح أحد أبرز الكيانات الاقتصادية التابعة للدولة. وكان وزير المالية السوري قدّر قيمة أصوله بنحو 50 مليار دولار خلال العام الماضي، وفقاً لما أوردته الصحيفة البريطانية.

وتشمل المحفظة مصانع ومراكز تجارية وعقارات وحصصاً في مؤسسات مصرفية، إلى جانب شركات وأصول حكومية وأخرى صودرت من شخصيات ارتبطت بالنظام السابق. ويقول الصندوق إن الشركات الواقعة ضمن نطاق أعماله توفر فرص عمل لأكثر من 40 ألف شخص.

ونقلت «فايننشال تايمز» عن ثائر اللحام، المدير العام لمجلس الأعمال السوري، وصفه الصندوق بأنه من أكثر الكيانات الاقتصادية تأثيراً وثروة في البلاد حالياً، في ظل اتساع نطاق الأصول والأنشطة التي تقع تحت إدارته.

ولا تقتصر أهمية هذه المحفظة على قيمتها المالية، بل تمتد إلى قدرة الصندوق على التأثير في طبيعة المستثمرين والشركاء الذين يدخلون السوق السورية، بما يمنح الحكومة دوراً محورياً في توجيه الاستثمارات الجديدة.

«زين» الكويتية نموذج للشراكة الاستثمارية

يمثل قطاع الاتصالات أحد أبرز الأمثلة على الدور الذي يؤديه الصندوق في جذب الاستثمارات الخارجية. فقد فازت مجموعة «زين» الكويتية برخصة لتشغيل شبكة اتصالات محمولة في سوريا لمدة 20 عاماً، مقابل 747 مليون دولار.

وبموجب الاتفاق، تمتلك المجموعة الكويتية 75% من الشركة المشغلة، بينما تبلغ حصة الجانب السوري 25%، وهي الحصة التي تعود إلى الصندوق السيادي، بحسب التقرير.

وتخطط «زين» لاستثمار أكثر من 800 مليون دولار خلال السنوات العشر المقبلة، بهدف توسيع شبكة الاتصالات وتحديث بنيتها التكنولوجية، بما يشمل تقنيات الجيل الخامس والحلول الرقمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

وتعكس هذه الشراكة توجهاً يقوم على استقطاب المستثمرين الأجانب للاستفادة من التمويل والخبرات الفنية، مع احتفاظ الدولة السورية بحصص في المشروعات الجديدة.

توسعات في الصناعة والمدفوعات والاستثمارات الدولية

يمتد نشاط الصندوق إلى ما وراء قطاع الاتصالات، إذ أبرم اتفاقات مع شركات دولية لتطوير بعض الأصول وإدارتها، من بينها شركة «ترياكي أغرو» التركية ومجموعة «كابلات الرياض» السعودية، وفقاً لما ذكرته «فايننشال تايمز».

كما اتجه إلى تأسيس أنشطة جديدة، من بينها شركة للمدفوعات تعمل بالتعاون مع «فيزا» داخل السوق السورية، إلى جانب شركة محلية لتصنيع السيارات.

وتشير هذه التحركات إلى محاولة توسيع دور الصندوق من مجرد إدارة الممتلكات القائمة إلى المشاركة في تأسيس مشروعات جديدة، بما قد يساهم في تنويع الأنشطة الاقتصادية وتهيئة فرص إضافية للاستثمار.

أصول مصادرة ونزاعات حول الملكية

تشكل الممتلكات التي صودرت من رجال أعمال مرتبطين بالنظام السابق جزءاً مهماً من أصول الصندوق. ووفقاً للتقرير، شارك الصندوق في إدارة 32 كياناً كانت تعود إلى رجل الأعمال سامر فوز، وتعمل في قطاعات التجارة والخدمات والمصارف، فضلاً عن مركز تجاري في دمشق صودر من رجلي الأعمال محمد ووسيم قطان.

لكن نقل هذه الأصول إلى إدارة الدولة لا يخلو من تعقيدات قانونية، إذ تواجه السلطات خلافات بشأن الملكية الأصلية لبعض الممتلكات، وسط مطالبات من أشخاص يقولون إن النظام السابق استولى على أصولهم قبل انتقالها إلى رجال أعمال مقربين منه.

وأكد الصندوق أن العوائد المتحققة من هذه الأصول تؤول إلى الدولة السورية، في وقت لا تزال فيه تسوية النزاعات المتعلقة بالملكية أحد الملفات المؤثرة في إدارة المحفظة.

غياب الإفصاح يثير تساؤلات حول الحوكمة

على الرغم من الحجم الكبير للأصول التي يديرها الصندوق، فإنه لم ينشر حتى الآن قائمة تفصيلية بممتلكاته أو بياناته المالية، كما لا يعرض موقعه الإلكتروني اسم مديره التنفيذي.

وقالت المؤسسة للصحيفة إنها لا تزال في مرحلة التأسيس، وتعمل تدريجياً على تطوير منظومة الحوكمة بما يتماشى مع الممارسات الدولية المتبعة لدى صناديق الثروة السيادية.

وبحسب ثلاثة أشخاص التقوا به وتحدثوا إلى الصحيفة، يتولى إبراهيم سكرية، وهو لبناني أسترالي، إدارة الصندوق. وأشار التقرير إلى أنه يخضع لعقوبات أسترالية على خلفية اتهامات تتعلق بالانضمام إلى جماعة ارتبطت سابقاً بتنظيم القاعدة، فيما لم تتمكن الصحيفة من الحصول على تعليقه بشأن هذه المعلومات.

ويرأس وزير السياحة مجلس إدارة الصندوق، الذي يرتبط مباشرة برئاسة الجمهورية، وفقاً للتقرير.

وفي هذا السياق، يرى جهاد يازجي، محرر «سيريا ريبورت»، أن محدودية الشفافية قد تثير تساؤلات بشأن بناء الثقة بين الدولة والمواطنين، رغم احتمال أن يجد بعض المستثمرين الخليجيين ميزة في التعامل مع جهة واحدة قادرة على تسهيل الإجراءات الحكومية.

الصندوق السيادي في قلب مرحلة إعادة الإعمار

يأتي توسع الصندوق في إطار مساعي سوريا للانتقال إلى مرحلة اقتصادية جديدة، بعد سنوات من الحرب والعزلة والعقوبات، مع توجه حكومي نحو استعادة الاستثمارات الخارجية وإعادة تنشيط قطاعات الإنتاج والخدمات.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أعلن العام الماضي رفع العقوبات عن سوريا، عقب تحركات دبلوماسية شملت طلباً من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. وخلال لقاء مع أحمد الشرع، تحدث ترمب عن فرص انخراط الشركات الأميركية في الاقتصاد السوري، ولا سيما في قطاعي النفط والغاز.

وفي ظل هذه التطورات، يبرز الصندوق السيادي باعتباره أداة تجمع بين إدارة أصول المرحلة السابقة والمشاركة في المشروعات الجديدة، ما يمنحه نفوذاً واسعاً في رسم ملامح الاقتصاد السوري.

ومع ذلك، ستظل قدرة الصندوق على جذب استثمارات مستدامة مرتبطة بمدى وضوح ملكية الأصول، وشفافية الإدارة والإفصاح المالي، ووجود إطار قانوني يضمن حقوق الدولة والمستثمرين وأصحاب الممتلكات الأصليين.