اليورو تحت ضغط المخاطر السياسية والمالية في أوروبا
يتعرض اليورو لموجة جديدة من الضغوط مع تزايد المخاوف بشأن الأوضاع المالية والسياسية في عدد من اقتصادات منطقة اليورو، ما دفع المستثمرين إلى زيادة رهاناتهم على تراجع العملة الموحدة أمام مجموعة واسعة من العملات الرئيسية. وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع تراجع توقعات الأسواق بشأن مسار أسعار الفائدة في منطقة اليورو.
العملة الأوروبية تفقد أرضية أمام العملات الرئيسية
تراجع اليورو مقابل جميع عملات مجموعة العشر، مسجلاً مستويات منخفضة جديدة أمام عدد من العملات. وانخفض مقابل الجنيه الإسترليني بنحو 0.4% إلى 84.48 بنس، وهو أدنى مستوى له منذ يونيو 2025، بينما بقي قريباً من أدنى مستوياته خلال عام أمام الين الياباني.
وكان اليورو قد سجل في وقت سابق من الأسبوع أدنى مستوى له خلال 17 شهراً مقابل الدولار، في انعكاس لاتساع الضغوط على العملة الأوروبية.
ولا يقتصر ضعف اليورو على تحركاته أمام الدولار، إذ يرى المستثمرون أن أداءه مقابل العملات الأخرى يقدم مؤشرات أوضح على تزايد المخاوف المرتبطة بالمنطقة، خصوصاً في ظل الضغوط المالية والسياسية.
رهانات متزايدة على هبوط اليورو
تتجه صناديق التحوط بصورة متزايدة إلى مراكز تراهن على انخفاض اليورو أمام الفرنك السويسري والين، يليهما الجنيه الإسترليني والدولار، وفق متداولين مطلعين على تحركات السوق.
ويرى استراتيجيو "مورغان ستانلي"، بقيادة ديفيد آدامز، أن العملة الأوروبية قد تواجه مزيداً من التراجع، مع وجود فرص أكثر جاذبية لتنفيذ هذه الرهانات مقابل عملات أخرى غير الدولار.
وتشمل الاستراتيجيات بيع اليورو مقابل الدولار الأسترالي والفرنك السويسري للتحوط من احتمالات تصاعد المخاطر السياسية والمالية، إلى جانب إمكانية اتجاه البنك المركزي الأوروبي نحو سياسة نقدية أكثر تيسيراً إذا استمرت الاضطرابات في أسواق السندات.
كما تعكس أسواق الخيارات ارتفاع الطلب على التحوط من تقلبات اليورو أمام الين، إذ أصبحت تكلفة هذا التحوط أعلى من تكلفة التحوط من تحركات الدولار مقابل العملة اليابانية بفارق يتجاوز 100 نقطة أساس، في تطور هو الأول من نوعه منذ مارس 2025.
فرنسا في قلب المخاوف الأوروبية
تتزايد الضغوط على اليورو مع تركيز المستثمرين على الوضع المالي في فرنسا، في ظل استمرار المخاوف بشأن العجز الحكومي والجمود السياسي واقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل.
وتثير الانتخابات المقبلة مخاوف من تغيرات واسعة في السياسة الاقتصادية للبلاد، بينما تؤدي صعوبة تحقيق مستهدفات خفض العجز إلى زيادة الضغوط على السندات الفرنسية.
كما دعت مارين لوبان البنك المركزي الأوروبي إلى التدخل لخفض تكاليف الاقتراض، بالتزامن مع ارتفاع عوائد السندات الفرنسية واتساع موجة البيع في ديون عدد من الدول الأوروبية المثقلة بالديون.
وترى جين فولي، الاستراتيجية لدى "رابوبنك"، أن حالة عدم اليقين المرتبطة بالانتخابات الفرنسية تزيد من المخاوف بشأن قدرة البلاد على خفض عجز الموازنة، وهو ما قد يبقي الضغوط على اليورو خلال الفترة المقبلة.
توقعات بمزيد من الضعف خلال العام المقبل
تتوقع فولي استمرار الضغوط على العملة الأوروبية حتى العام المقبل، مع إمكانية وصول سعر اليورو أمام الدولار إلى 1.12 دولار خلال عام، رغم احتمال حدوث تعافٍ مؤقت إلى نحو 1.13 دولار إذا هدأت مخاوف الأسواق على المدى القصير.
وتأتي هذه التوقعات في وقت تواجه فيه أسواق السندات الحكومية الأوروبية اضطرابات متزايدة، بعدما أعادت موجة البيع الأخيرة إلى الأذهان أزمات الديون التي شهدتها منطقة اليورو في فترات سابقة.
إسبانيا تضيف بعداً سياسياً جديداً
لم تقتصر المخاطر السياسية على فرنسا، إذ أضافت دعوة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى انتخابات مبكرة مصدراً جديداً لعدم اليقين داخل الأسواق الأوروبية.
ويأتي ذلك في وقت يراقب فيه المستثمرون عن كثب قدرة الحكومات الأوروبية على إدارة أوضاعها المالية، ما يزيد حساسية العملة الموحدة تجاه التطورات السياسية والاقتصادية في المنطقة.
الأسواق تخفّض توقعات رفع الفائدة
تزامنت الضغوط على اليورو مع تغير واضح في توقعات السياسة النقدية للبنك المركزي الأوروبي. فقد قلص المتداولون رهاناتهم على رفع أسعار الفائدة، إذ تشير عقود المبادلة حالياً إلى توقع ثلاث زيادات بمقدار ربع نقطة مئوية لكل منها بحلول سبتمبر 2027، مقارنة بأربع زيادات كانت متوقعة في مطلع الأسبوع الماضي.
ويعكس هذا التحول قلق المستثمرين من أن تؤدي اضطرابات أسواق السندات والمخاطر السياسية والمالية إلى دفع البنك المركزي الأوروبي نحو موقف أكثر مرونة في السياسة النقدية.
وبذلك، يجد اليورو نفسه أمام مزيج ضاغط من التحديات، يبدأ من الأوضاع المالية في الاقتصادات الكبرى، ويمر بالاستحقاقات الانتخابية، ولا ينتهي عند توقعات أسعار الفائدة، ما قد يجعل مسار العملة الأوروبية أكثر تقلباً خلال الأشهر المقبلة.


