خريطة مكاسب مصر من قمة «بريكس».. 53.5 مليار دولار تبادلاً تجارياً وفرص واعدة للاستثمار
لم تكن مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في قمة تكتل «بريكس» الأخيرة بالهند مجرد حضور سياسي تقليدي في تجمع يضم أعتى الاقتصادات الصاعدة، بل جاءت في توقيت حرج أضحت فيه العلاقات الاقتصادية المصرية مع دول المجموعة تستند إلى أرقام ضخمة وفرص واعدة للنمو.
فقد وضعت القمة الثامنة عشرة، التي استضافتها نيودلهي يومي 12 و13 سبتمبر 2026، أمام مصر مسارات حركة جديدة في مجالات التجارة، الاستثمار، التمويل، والتكنولوجيا، في حين حملت لقاءات الرئيس السيسي على هامش القمة رسائل اقتصادية مباشرة، جاء في صدارتها استهداف رفع حجم التجارة المصرية الهندية إلى 12 مليار دولار.
وتستمد هذه التحركات أهميتها من القواعد القائمة بالفعل؛ حيث قفز التبادل التجاري بين مصر ودول «بريكس» إلى 53.5 مليار دولار خلال عام 2025 مقابل 45 مليار دولار في 2024، بنسبة نمو بلغت 18.8%، بينما ارتفعت الصادرات المصرية إلى دول التجمع لتصل إلى 13.772 مليار دولار مقابل 9.451 مليار دولار، بنمو استثنائي سجل 45.7%.
فتح أبواب أوسع أمام الصادرات المصرية
,يتمثل أبرز المكاسب الاقتصادية من القمة في توسيع قدرة المنتجات المصرية على النفاذ لأسواق دول «بريكس»، لا سيما وأن البيانات الأخيرة أظهرت أن الصادرات المصرية تتحرك بمعدل أسرع من نمو الواردات:
استغلال العجز التجاري كفرصة:
بلغت واردات مصر من دول التكتل نحو 39.679 مليار دولار في 2025، مقابل 13.772 مليار دولار للصادرات. ورغم العجز القائم، إلا أن هذه الإحصائية تكشف عن حجم السوق المتاح والفرص الاستهلاكية الضخمة المنتظرة للمنتج المحلي حال التوسع في المنتجات ذات القيمة المضافة.
تغيير تركيبة التجارة البينية:
لا تهدف مصر مجرد زيادة أحجام التبادل التجاري، بل تسعى لتعديل معادلتها لتصبح أسواق التكتل مستوعباً كبيراً للصناعات الكيماوية، الأسمدة، الحاصلات الزراعية، المنتجات الغذائية، الملابس الجاهزة، والأدوية المصرية.
تحويل الشراكات لـ عقود نفاذ:
ظل الاختبار الحقيقي لنجاح هذا التحرك مرهوناً بقدرة مجتمع الأعمال والشركات المصرية على ترجمة التوافقات السياسية التي شهدتها نيودلهي إلى عقود تصدير وشراكات إنتاجية ملموسة.
الهند.. الشريك والاستثمار المستهدف
,برز هدف رفع التبادل التجاري بين مصر والهند إلى 12 مليار دولار كأحد أكثر المخرجات الرقمية أهمية عقب مباحثات الرئيس السيسي مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي:
جذب رؤوس الأموال: لا يتوقف رقم الـ 12 مليار دولار عند حدود تداول السلع، بل يمتد ليشمل توطين الاستثمارات الهندية المباشرة في مصر داخل قطاعات التصنيع، السيارات، الطاقة النظيفة، والصناعات الدوائية.
نقل التكنولوجيا والهيدروجين الأخضر: تشمل الشراكة الاستراتيجية نقل الخبرات الهندية في مجالات تكنولوجيا المعلومات والهيدروجين الأخضر، وتحويل مصر إلى مركز إنتاج وتصدير إقليمي نحو الأسواق المجاورة.
المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.. المحرك اللوجستي
,تعتمد مصر في مفاوضاتها الاقتصادية مع شركاء «بريكس» على تقديم ميزات تنافسية تتجاوز حجم السوق المحلي إلى تقديم موقع جغرافي وشبكة لوجستية عالمية:
قاعدة إنتاجية للتصدير:
توفر الحوافز الاستثمارية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس فرصة للشركات الهندية والصينية والروسية لبناء مصانع تعتمد على موقع مصر كبوابة نفاذ رئيسية لأسواق أفريقيا، أوروبا، والشرق الأوسط.
القيمة المضافة للملاحة:
تسمح البنية التحتية المحيطة بالقناة والموانئ المطورة بتحويل جغرافية الممر الملاحي من مجرد نقطة عبور للسفن إلى منظومة متكاملة للتصنيع وإعادة التصدير.
التمويل التنموي عبر بنك التنمية الجديد (NDB)
,شكل ملف التمويل محوراً رئيسياً في الطرح المصري خلال القمة، خاصة فيما يتعلق بتعزيز دور مؤسسات التمويل التنموي التابعة للتكتل:
دعم مشروعات البنية الأساسية: يفتح توسيع التعاون مع بنك التنمية الجديد قنوات ميسرة لتمويل قطاعات النقل، المياه، الطاقة المتجددة، والتحول الرقمي دون إرهاق الموازنة العامة.
التمويل بالعملات الوطنية والشراكة مع القطاع الخاص: يتيح اتجاه البنك لتعبئة رأس المال الخاص والتمويل بالعملات المحلية أدوات مبتكرة لتقاسم المخاطر وجذب الاستثمارات الخاصة إلى مشروعات التنمية.
الأمن الغذائي والتكنولوجيا واستدامة النمو
,تكاملت الملفات الاقتصادية لتعزيز موقع مصر داخل المجموعة عبر عدة محاور استراتيجية:
مركز إقليمي للحبوب والخدمات اللوجستية:
طرحت مصر مشروع تطوير مركز لوجستي للحبوب في شرق بورسعيد، مستفيدة من موقعها لاستقبال وتخزين وإعادة توزيع السلع من الدول المنتجة داخل «بريكس» (مثل روسيا والبرازيل) للأسواق الإقليمية.
توطين الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا:
ركزت القمة على نقل تكنولوجيا التصنيع والذكاء الاصطناعي، بما يساعد الشركات المصرية على الاندماج في سلاسل القيمة الرقمية العالمية وزيادة تنافسيتها.
تنويع الشركاء وتوزيع المخاطر:
تمنح عضوية «بريكس» الاقتصاد المصري مرونة أعلى في تنويع الأسواق، مصادر التمويل، ونقل التكنولوجيا، بما يقلل الاعتماد على النطاقات الاقتصادية التقليدية.
,تثبت نتائج قمة نيودلهي أن مكاسب مصر من تكتل «بريكس» تتجاوز الأبعاد السياسية إلى أدوات اقتصادية حقيقية؛ فالقاهرة تمتلك قاعدة تجارية مسجلة بقيمة 53.5 مليار دولار، وصادرات متصاعدة بلغت 13.772 مليار دولار، وهدفاً ملموساً مع الهند عند 12 مليار دولار.
ويبقى الرهان خلال المرحلة المقبلة قائماً على مدى سرعة تحويل هذه التوافقات إلى مشروعات استثمارية وتدفقات تجارية تدعم الإنتاج المحلي وتخلق فرص العمل.
