الجمعة 04 سبتمبر 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
تحليل

الوطن مجرد سلعة في سوق الإخوان.. كيف جعلت الجماعة مصر «حفنة تراب» لخدمة التنظيم؟

الجمعة 04/سبتمبر/2026 - 11:09 ص
بانكير

تواصل جماعة الإخوان الإرهابية الترويج لمنظومتها الفكرية القائمة على التقليل من مفهوم الدولة الوطنية، في محاولة يائسة لتسويق فكرة الولاء العابر للحدود واستجداء التعاطف الاجتماعي بعد أن تهاوت كافة دعائم مشروعها الفكري أمام الوعي الممتد للشعب المصري

وتعتمد أدبيات الجماعة تاريخياً على بث خطابات تشكيكية تسعى لتغييب مفهوم المواطنة المباشرة، من خلال الاستهانة بقيمة الأرض والسيادة لصالح الهيكل التنظيمي، متخذة من الشعارات المضللة ستاراً يغطي على تقديم مصلحة التنظيم الخاص على مقدرات الأمة ومؤسساتها الاستراتيجية.

مفهوم الوطن بين قدسية الأرض وعقيدة الإخوان

وليست القضية مجرد عبارات تصادمية وُردت في أدبيات الجماعة وقيلت قبل عقود، وإنما في العقيدة التي تقف خلفها، والسؤال الذي تتركه مفتوحاً حول القيمة الحقيقية للوطن عندما تتعارض الحدود والتاريخ مع غايات المشروع التنظيمي. 

وإن عبارة «ما الوطن إلا حفنة من التراب العفن» المنسوبة إلى سيد قطب، أحد أبرز منظري جماعة الإخوان الإرهابية، لم تبق مجرد جملة في كتاب أو سطر في سجال فكري، وإنما تحولت إلى واحدة من أكثر المقولات المعبّرة عن موقف الجماعة من الدولة الوطنية وحدود الانتماء إليها.

فمصر بالنسبة إلى المصري ليست مجرد مساحة جغرافية، بل هي الأرض التي ولد عليها، والتاريخ الذي صنع هويته، والبيوت التي عاش فيها، والحدود التي سالت دماء الأجداد دفاعاً عن سيادتها. 

وأما اختزال الوطن في "حفنة تراب"، فيفتح الباب أمام تصور أيديولوجي تصبح فيه الأرض أقل قيمة من الفكرة، والحدود أقل أهمية من المشروع، والانتماء الوطني في مرتبة أدنى من الولاء لتنظيم يتجاوز حدود الدولة.

صراع الولاءات.. عندما يقف التنظيم في مواجهة الدولة

تبدأ الأزمة الهيكلية عندما يصبح الانتماء الوطني نفسه موضعاً للتقليل أو التجاوز لحساب انتماء آخر، وهنا تبرز الماهية الحقيقية لجماعة الإخوان الإرهابية كتنظيم عابر للحدود، يمتلك هيكلاً وقيادة ومرجعية وولاءات تنظيمية صارمة.

 وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة الأولوية حينما تتعارض مصلحة التنظيم المباشرة مع مصلحة الدولة الوطنية ومؤسساتها.

وهذا السؤال لم يأت من فراغ، فقد كشفت التجربة الميدانية للإخوان الإرهابية في مصر عن خطاب جعل التمكين والوصول إلى مفاصل الدولة جزءاً أساسياً من المشروع.

 ولم يتوقف عند حدود المشاركة السياسية التقليدية؛ إذ أدى وصول الجماعة الإرهابية إلى السلطة إلى إبراز الصراع على الدولة بشكل أكثر وضوحاً، وزيادة المخاوف المجتمعية من تغليب الاعتبارات التنظيمية المغلقة على مؤسسات الدولة الوطنية ومفهوم المواطنة الجامعة.

استعلاء السلطة والتعامل مع الأرض كغنيمة تنظيمية

وتجلت الخسارة الفكرية لجماعة الإخوان الإرهابية في عدم تعاملها مع مصر باعتبارها كياناً سيادياً فوق التنظيم، بل بدا في خطابها السياسي أن الوصول إلى السلطة يمثل استحقاقاً حصرياً لمشروعها الخاص. 

ومن هنا اكتسبت عبارات المزايدة التي أطلقها قياديون بالجماعة، مثل «إحنا أصحاب الحق في البلد دي»، دلالات تتجاوز التعبير السياسي إلى تصور يفرز منطقاً يجعل الوطن نفسه مجالاً للاستحقاق التنظيمي والسيطرة المباشرة.

هذا الفكر الباطني جعل الجماعة تنظر إلى مقدرات الوطن وأراضيه باعتبارها أوراقاً يمكن المراهنة عليها أو توظيفها لخدمة أهداف الجماعة القابعة قياداتها في الخارج، مما أدى إلى تجريد العمل السياسي من معاييره الوطنية والأخلاقية وتحويله إلى ساحة لممارسة الاستعلاء على النسيج المجتمعي.

سقوط الأقنعة ومواجهة الإرادة الشعبية

وجاءت لحظة الاختبار الحقيقية بعد ثورة 30 يونيو 2013، حينما خرج ملايين المصريين رفضاً لحكم الإخوان وانحيازاً لمفهوم الدولة الوطنية، مما أنهى حكم محمد مرسي. 

غير أن الجماعة الإرهابية لم تتعامل مع فقدان السلطة باعتباره نهاية دورة سياسية طبيعية، وإنما أدخلت البلاد في مرحلة صدام عنيف شهدت استهدافاً للمنشآت والمؤسسات الوطنية وأعمال عنف واسعة تناوبتها التحقيقات والقضايا القضائية.

وهنا يطرح الواقع سؤالاً مستحقاً؛ إذا كان الوطن هو الأولوية القصوى، فلماذا يتحول سقوط تنظيم في الحكم إلى أزمة يستهدف فيها استقرار الدولة؟ ولماذا يصبح أمن مصر القومي جزءاً من أدوات الصراع لاستعادة السلطة المفقودة؟

السيادة الوطنية وعصمة المقدرات المصرية

وتؤكد الشواهد أن المصري لا يدافع عن مساحة عابرة، وإنما يدافع عن وطن متجذر في التاريخ، يدافع عن أرض تحمل هويته، ودولة تحمي وجوده، وسيادة دفع ثمنها أجيال كاملة من الشهداء والمواطنين.

إن مصر ليست محطة مؤقتة في مشروع أحد، ولا أرضاً قابلة للمساومة، ولا وطناً مفرغاً حتى ينجح تنظيم في فرض رؤيته. فالأرض وطن، والوطن أمانة حتمية، ومن لا يدرك القيمة التاريخية للتراب الوطني لا يمكن أن يرى في أفعاله سوى هدم لمقومات الاستقرار.

البناء العقائدي للإخوان ومأزق الهوية الوطنية

تظهر قراءة أدبيات الإخوان أن الأزمة الحقيقية للجماعة لا تكمن في مجرد منافسة سياسية على السلطة، بل في صلب البناء الفكري والعقائدي الذي يتأسس عليه التنظيم.

 إن النظرة إلى الوطن باعتباره "حفنة من التراب" تعكس خللاً مفاهيمياً يضع المصلحة التنظيمية فوق مفهوم الدولة الوطنية الجامعة، مما يجعل الجماعة غير قابلة للاندماج في الأطر الوطنية الشاملة. 

وهذا التعارض البنيوي هو الذي يدفع التنظيم -عند لحظات الفقدان أو الفشل السياسيين- إلى ممارسة التخريب ومحاولة ضرب مؤسسات الدولة؛ لأن بقاء كيان الجماعة ومشروعها يظل في أدبياتها أسمى وأهم من بقاء واستقرار الدولة نفسها -حسب فكر الإخوان -، وهو ما يفسر تحول استهداف الاستقرار إلى أداة ضغط سياسي، ويؤكد حتمية تصدي الوعي المجتمعي لهذه المنظومة الفكرية لحماية النسيج الوطني والحدود السيادية.