الشراكة المصرية الصينية.. استثمارات تتجاوز 15 مليار دولار وفرص واعدة قريبًا
شهدت العلاقات المصرية الصينية خلال السنوات الأخيرة تطورًا لافتًا، انتقلت معه من مستوى التعاون التقليدي إلى شراكة استراتيجية شاملة ومتعددة المجالات، خاصة منذ تدشين الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين عام 2014، لتصبح الصين أحد أبرز الشركاء لمصر في قطاعات البنية التحتية والطاقة والصناعة والنقل، فضلًا عن مشروعات المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
وتأتي نتائج زيارة الرئيس الصيني إلى مصر في توقيت بالغ الأهمية، بالتزامن مع تحركات القاهرة لجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وزيادة معدلات الإنتاج المحلي وتعزيز الصادرات، في الوقت الذي تتجه فيه الشركات الصينية إلى البحث عن أسواق ومراكز إنتاج جديدة، في ظل إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية وتصاعد التوترات التجارية بين الصين والدول الغربية.
مكاسب اقتصادية واسعة من زيارة الرئيس الصيني
وأكد الخبير الاقتصادي والمستشار المالي الدكتور محيي عبد السلام أن زيارة الرئيس الصيني إلى مصر حققت مجموعة من المكاسب الاقتصادية المهمة، في ظل اتساع نطاق التعاون بين البلدين وتنوع مجالاته.
وأوضح أن من أبرز نتائج الزيارة توقيع اتفاقيات استراتيجية في مجالات التعاون الفني والمالي والتكنولوجي، إلى جانب دعم التكامل بين مستهدفات رؤية مصر 2030 ومبادرة الصين «الحزام والطريق»، بما يعزز فرص تنفيذ مشروعات مشتركة جديدة خلال الفترة المقبلة.
الاستثمارات الصينية.. توسع مرتقب في قناة السويس
وأشار عبد السلام إلى أن الزيارة أسهمت في تعزيز فرص التوسع في الاستثمارات الصينية داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، موضحًا أن حجم الاستثمارات الصينية القائمة في المنطقة يتجاوز 4.7 مليار دولار، وهو ما يعكس الدور المتنامي للمنطقة كمركز إقليمي للصناعة والإنتاج والتصدير.
ولفت إلى الاتفاق على التوسع في استخدام العملات المحلية في المعاملات التجارية والاستثمارية بين البلدين، معتبرًا أن هذه الخطوة يمكن أن تسهم في تقليل الضغوط على العملات الأجنبية ودعم حركة التجارة والاستثمار.
وتوقع الخبير الاقتصادي ارتفاع حجم الاستثمارات الصينية التراكمية في مصر من نحو 10 مليارات دولار حاليًا إلى أكثر من 15 مليار دولار خلال السنوات المقبلة، خاصة مع وجود مجموعة واسعة من القطاعات المؤهلة لاستقبال استثمارات جديدة.
وتشمل أبرز القطاعات المرشحة: السيارات الكهربائية ومكوناتها، وصناعة الإطارات، والطاقة الشمسية، والهيدروجين الأخضر، ومراكز البيانات، والشرائح الإلكترونية، وسلاسل إمداد المعادن الحيوية، إلى جانب الحديد والصلب والصناعات الثقيلة.
توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا أولوية
وشدد عبد السلام على أن تعظيم العائد الاقتصادي من الاستثمارات الصينية لا يتوقف على زيادة حجم الاستثمارات فقط، وإنما يتطلب التركيز على توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا والمعرفة إلى السوق المصرية.
وأوضح أن ذلك يمكن تحقيقه من خلال وضع نسب مستهدفة للمكون المحلي في المشروعات، بما يدفع نحو التصنيع الحقيقي بدلًا من الاكتفاء بعمليات التجميع، فضلًا عن إلزام المشروعات بنقل الخبرات وتدريب الكوادر المصرية وإنشاء مراكز للبحث والتطوير داخل مصر.
وأكد أهمية توسيع نطاق الشراكات بين الشركات المصرية ونظيرتها الصينية، سواء في القطاع العام أو الخاص، بما يسمح بدمج الشركات والمصانع المصرية في سلاسل الإنتاج والتوريد المرتبطة بالمشروعات الصينية.
واستشهد بتجربة شركة XD-EGEMAC التي تصل نسبة العمالة المصرية بها إلى نحو 97%، معتبرًا أنها تمثل نموذجًا يمكن البناء عليه لتعظيم استفادة الاقتصاد المصري من الاستثمارات الأجنبية وتنمية وتأهيل الكوادر المحلية.
مصر منصة إقليمية للتصنيع والتصدير
وأوضح الخبير الاقتصادي أن مصر تمتلك العديد من المقومات التي تؤهلها للتحول إلى مركز إقليمي للتصنيع والتصدير، مستفيدة من موقعها الجغرافي الذي يربط بين الأسواق الأوروبية والأفريقية والعربية، إلى جانب المنطقة الاقتصادية لقناة السويس وشبكة الاتفاقيات التجارية التي تتيح للمنتجات المصنعة محليًا الوصول إلى أسواق واسعة.
وأشار إلى أن هذه المعادلة تحقق مصالح مشتركة للجانبين؛ إذ يمكن للشركات الصينية الاستفادة من مصر كقاعدة للإنتاج والتصدير إلى أسواق متعددة، والاستفادة من المزايا التجارية التي تتمتع بها المنتجات المصنعة محليًا، في حين تستفيد مصر من تدفقات الاستثمار من خلال زيادة الإنتاج والقيمة المضافة، وخلق فرص العمل، وتعزيز الصادرات.
صادرات مصر أمام فرصة لتعزيز حضورها في السوق الصينية
وفيما يتعلق بفرص زيادة الصادرات المصرية إلى السوق الصينية، أكد عبد السلام أن هناك مجموعة من المنتجات والقطاعات التي تتمتع بفرص واعدة، وفي مقدمتها الحاصلات الزراعية، خاصة البرتقال والفراولة المجمدة والعنب، إلى جانب المنتجات النسيجية والكتان والقطن المصري والمنتجات التعدينية والبتروكيماوية.
وأوضح أن اختراق السوق الصينية وزيادة الحصة المصرية بها يتطلب الالتزام الصارم بالمعايير والمواصفات المطلوبة، خاصة فيما يتعلق بالحجر الزراعي والجودة، إلى جانب زيادة مشاركة الشركات المصرية في معرض الصين الدولي للاستيراد، والعمل على تطوير منظومة الشحن والتبريد والتغليف بما يتوافق مع احتياجات السوق الصينية.
التكنولوجيا والطاقة.. قطاعات مرشحة لنمو التعاون
وأضاف عبد السلام أن الشراكة مع الصين يمكن أن تمثل دفعة قوية لقطاعات التكنولوجيا والرقمنة والطاقة والصناعات ذات القيمة المضافة، من خلال التوسع في إنشاء مراكز البيانات وتطوير البنية التحتية للاتصالات والذكاء الاصطناعي، إلى جانب تنفيذ مشروعات في الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر.
وأشار إلى أن هذه المشروعات يمكن أن تسهم في خفض تكلفة الطاقة والإنتاج محليًا، ورفع جودة المنتجات المصرية، وتعزيز قدرتها التنافسية في الأسواق العالمية.
استثمارات صينية جديدة تعني فرص عمل وزيادة الإنتاج
وأكد الخبير الاقتصادي أن زيادة الاستثمارات الصينية في مصر يمكن أن تنعكس بشكل مباشر على عدد من المؤشرات الاقتصادية، من خلال توفير النقد الأجنبي، وخلق فرص عمل جديدة، وزيادة الإنتاج المحلي، وإحلال جزء من الواردات بمنتجات يتم تصنيعها داخل مصر.
كما يمكن أن تسهم المشروعات الجديدة في توليد عوائد دولارية من الصادرات، والتوسع في آليات مبادلة العملات، فضلًا عن توفير آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، وتشغيل المصانع وزيادة القيمة المضافة للاقتصاد المصري.
تنفيذ الاتفاقيات.. التحدي الأهم خلال المرحلة المقبلة
وشدد عبد السلام على أن التحدي الرئيسي خلال المرحلة المقبلة يتمثل في تحويل الاتفاقيات ومذكرات التفاهم إلى مشروعات حقيقية على أرض الواقع، مؤكدًا ضرورة تشكيل لجنة وزارية تتولى متابعة تنفيذ الاتفاقيات وفق جداول زمنية واضحة ومحددة.
كما دعا إلى تسريع إجراءات إصدار التراخيص للمشروعات الصينية الاستراتيجية، وتوفير الأراضي الصناعية المجهزة بالبنية التحتية اللازمة، بما يشمل الكهرباء والمياه وشبكات النقل والموانئ، لضمان سرعة تنفيذ المشروعات وتجنب أي تأخير قد يؤثر على جدواها الاقتصادية.
وأكد أن نجاح هذه الخطوات من شأنه أن يحول الشراكة المصرية الصينية من مجرد اتفاقيات ومذكرات تفاهم إلى مشروعات إنتاجية واستثمارية مستدامة، تدعم التصنيع المحلي، وتزيد الصادرات، وتوفر فرص العمل، وتعزز مكانة مصر كمركز إقليمي للإنتاج والتصدير.








