الجمعة 28 أغسطس 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
تحليل

جفاف استثنائي يهز تقاليد الجبن الفرنسي.. تعديلات عاجلة على قواعد «كومتي» و«بوفورت»

الجمعة 28/أغسطس/2026 - 05:14 م
جفاف استثنائي يهز
جفاف استثنائي يهز تقاليد الجبن الفرنسي

تفرض موجة الجفاف القاسية التي تضرب فرنسا نفسها على أحد أشهر قطاعاتها الغذائية، بعدما اضطرت السلطات إلى إجراء تعديلات مؤقتة على القواعد المنظمة لإنتاج عدد من أنواع الجبن التقليدية ذات الشهرة العالمية.

وتأتي هذه الخطوة في ظل تراجع واضح في إنتاج المراعي، وهو ما دفع المزارعين إلى البحث عن مصادر بديلة للأعلاف للحفاظ على إنتاج الحليب واستمرار صناعة الجبن.

المراعي تفقد قدرتها على توفير الغذاء

تتركز الأزمة بصورة كبيرة في المناطق الجبلية بجبال الألب وجورا، حيث أدى انحباس الأمطار إلى جفاف المراعي وتراجع كميات العشب المتاحة للأبقار.

ووفق البيانات المشار إليها، سجلت المراعي الدائمة في فرنسا حتى 10 أغسطس إنتاجًا يقل بنحو الثلث عن متوسطها على المدى الطويل، في وضع وصفته الهيئة الوطنية للمنشأ والجودة بأنه «جفاف تاريخي».

وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة إلى الأجبان الحاصلة على تسمية المنشأ المحمية، إذ ترتبط مواصفاتها ليس فقط بمكان الإنتاج، وإنما أيضًا بطبيعة غذاء الأبقار ونوعية الحليب الناتج عنها.

استثناءات مؤقتة لإنقاذ الإنتاج

سمحت السلطات الفرنسية بتخفيف بعض الشروط الخاصة بإنتاج أجبان «بوفورت» و«أبوندانس» و«كومتي».

وبالنسبة إلى «بوفورت»، أصبح بإمكان المنتجين الاعتماد بدرجة أكبر على التبن والأعلاف القادمة من خارج المنطقة، بعدما أصبح توفير العلف المحلي أكثر صعوبة خلال فصل الصيف.

أما «أبوندانس»، فقد شمل التخفيف بعض القيود المتعلقة بفترة الرعي ونسبة الأعلاف الجافة القادمة من خارج منطقة أوت سافوا. وتعكس هذه الاستثناءات حجم الضغوط التي تواجه المزارعين في ظل استمرار الظروف المناخية الصعبة.

«كومتي» أمام اختبار غير مسبوق

يحظى جبن «كومتي» بمكانة كبيرة في السوق الفرنسية، حيث يتجاوز إنتاجه السنوي 60 ألف طن. ويُصنع من حليب أبقار من سلالات محلية، ويشتهر بالنكهات التي ترتبط بمراعي منطقة جورا.

ومع اشتداد الجفاف، سمحت السلطات مؤقتًا باستخدام بعض الذرة الخضراء القادمة من خارج المزارع الفردية حتى نهاية أكتوبر، في محاولة للحفاظ على إمدادات العلف وعدم توقف الإنتاج.

تغيّر النكهة قد يصل إلى المستهلك

لا تقتصر تداعيات الأزمة على الكميات المنتجة، إذ يتوقع خبراء صناعة الجبن أن تؤثر التغييرات في النظام الغذائي للأبقار على خصائص المنتج النهائي. فاختلاف العشب والتبن والأعلاف المستخدمة يمكن أن ينعكس على لون الجبن ورائحته وعمق نكهته.

وتشير التقديرات إلى أن إنتاج الصيف المعتاد قد يصبح أقرب في خصائصه إلى إنتاج الشتاء، في حين قد تبدو بعض أنواع الجبن أقل كثافة في النكهة نتيجة الاعتماد بصورة أكبر على الأعلاف الجافة والمياه خلال فترات الحر.

المستهلك لن يلمس الأثر فورًا

رغم أن القرارات اتخذت خلال الصيف، فإن تأثيرها على الأسواق سيظهر تدريجيًا بسبب طول فترات تعتيق الجبن. ويحتاج «كومتي» إلى أربعة أشهر على الأقل للنضج، بينما يبلغ متوسط فترة التعتيق نحو ثمانية أشهر، ما يعني أن بعض المنتجات المتأثرة قد تبدأ في الظهور قرب نهاية عام 2026، مع وصول كميات أكبر إلى الأسواق خلال ربيع 2027.

ويحتاج «بوفورت» بدوره إلى خمسة أشهر على الأقل من التعتيق، فيما قد تمتد الفترة اللازمة للحصول على خصائصه المعتادة إلى عام تقريبًا.

الجفاف يضغط على الغذاء الفرنسي بالكامل

لا تتوقف آثار الجفاف عند صناعة الجبن، إذ سجلت قطاعات زراعية أخرى خسائر نتيجة نقص المياه وارتفاع درجات الحرارة. وتأثرت محاصيل البطاطس والطماطم والتفاح وعدد من الفواكه والخضروات، في وقت ارتفعت فيه تكاليف الري والأعلاف وازدادت الضغوط المالية على المزارعين.

وفي ظل اتساع نطاق الأزمة، تستعد السلطات الفرنسية لتقييم الخسائر واتخاذ إجراءات طارئة، بينما وافقت الهيئة المختصة أيضًا على تعديلات مؤقتة مرتبطة بالجفاف لعدد من أنواع الجبن الأخرى.

وتكشف هذه الأزمة عن مدى ارتباط المطبخ الفرنسي بالظروف الطبيعية والمناخية، وتوضح أن التغيرات المناخية لم تعد قضية زراعية فقط، بل أصبحت عاملًا يؤثر مباشرة في المنتجات التي تمثل جزءًا من الهوية الغذائية الفرنسية.