حروب العملات الرقمية.. هل يحمي «اليورو الرقمي» سيادة أوروبا النقدية أمام هيمنة الدولار؟
شهدت العملات المشفرة بدايتها الأولى في أعقاب الأزمة المالية العالمية، كمحاولة للاحتجاج على السياسات النقدية والتوسع في طباعة الأموال من قبل السلطات المالية.
واحتضن نشطاء التشفير والرقميون مفهوم "بتكوين" بوصفه أداة للالتفاف على هيمنة المؤسسات الرسمية ودولة المراقبة.
إلا أن التحول الدراماتيكي تجسد في اتجاه محافظي البنوك المركزية، في منطقة اليورو والعديد من اقتصاديات الأسواق الناشئة، نحو اقتفاء أثر "بتكوين" وتيثر في صياغة مفهوم النقود الرقمية الرسمية، مما يطرح تساؤلات حول الدوافع الحقيقية لصناع سياسات الاقتصاد الكلي.
مبررات إطلاق العملات الرقمية للبنوك المركزية وأبعادها الدفاعية
وساق مؤيدو الابتكارات النقدية الرسمية عدة حوافز لتبرير التوسع في إطلاق العملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCs)، حيث شملت هذه المبررات ما يلي:
توفير خدمات مصرفية وشبكات دفع متطورة للفئات غير الخادمة بنكياً، رغم ضعوف أدلتها التجريبية.
رفع كفاءة تسوية المعاملات والمدفوعات الماليك عبر الحدود، وهو اتجاه تحقق جزئياً في نطاقات ضيقة.
حماية السيادة النقدية للدول وقدرتها على ضبط أسعار الفائدة والسيطرة على ظروف الاقتراض المحلي.
الحد من مخاطر انتشار العملات المستقرة الصادرة عن القطاع الخاص، والتي تهيمن الأصول المقومة بالدولار الأمريكي على نحو 98% من قيمتها السوقية.
مخاطر الدولرة وتداعيات التشريعات الأمريكية
وتُشير القراءات الاقتصادية إلى أن التوسع في العملات المستقرة يُشكل أداة لترسيخ دولرة الاقتصادات العالمية.
وتجلى هذا الاتجاه مع صدور التشريعات التنظيمية الأمريكية مثل قانون "جينيوس"، الذي منح إطاراً اتحادياً أضفى الشرعية على المؤسسات الخاصة التي تحوز سندات الخزانة الأمريكية لدعم قيمتها المالية.
وقد حذرت كريستين لاجارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، من التهديدات القائمة جراء انتشار العملات المستقرة المقومة بالدولار، مؤكدة أنها تقلص من فاعلية البنوك المركزية الوطنية في تطبيق السياسات التحفيزية أو السيطرة على معدلات التضخم المحلي حال تحول المعاملات والمدخرات اليومية إليها.
قوة الاقتصاد الأمريكي والجاذبية الهيكلية للدولار
وتعتمد قوة العملات الرئيسية في النظام العالمي على دورها كمخزن قيم فعال وثابت، إضافة إلى ارتباطها بأسواق مالية عميقة وسريعة التسييل.
ويتفوق الدولار الأمريكي بامتلاكه مقومات ترتكز على:
الوصول إلى سوق سندات الخزانة الأمريكية البالغ حجمها 30 تريليون دولار، والتي توفر سيولة غير محدودة للمستثمرين الدوليين.
ملكية الأجانب لنحو خُمس سوق الأسهم الأمريكية التي تصل قيمتها الإجمالية إلى 80 تريليون دولار.
السلاسة الرقمية التي تتيحها العملات المستقرة للمستخدمين للوصول المباشر للأصول الأمريكية.
كشف مسح أجراه بنك التسويات الدولية وشمل 93 بنكاً مركزياً أن أكثر من ثلاثة أرباع البنوك التي تدير مشاريع للعملات الرقمية تستهدف الحفاظ على النفوذ المحلي لعملاتها الرسمية.
وتصطدم هذه الجهود بحقيقة حتمية مفادها أن النجاح مرتبط بحجم الإقبال على الأصل النقدي الأساسي وليس فقط بطريقة التشفير.
الفجوات الهيكلية في مشروع اليورو الرقمي
ويمتلك اقتصاد منطقة اليورو مقومات ضخمة بحجم يصل إلى 18 تريليون دولار، و12 تريليون يورو من الأوراق المالية الحكومية القائمة.
ومع ذلك، تعاني المنطقة من تجزؤ سوق السندات السيادية إلى 21 سوقاً منفصلة، مما يجعل تداول تلك الأوراق ضعيفاً ويحول دون منافستها لسندات الخزانة الأمريكية كأصول احتياطية استراتيجية.
ووفق هذه المعطيات، يُشكل اليورو الرقمي حلاً ناقصاً للسيادة النقدية لكونه يستهدف تطوير شبكة مدفوعات إلكترونية دون بناء طلب كلي على العملة ذاتها، في ظل غياب سوق سندات موحدة تجمع دول الاتحاد وتغطي الحاجة المتزايدة للإنفاق الدفاعي والاستثماري.
التعثر التشريعي وعقبات التوسع في الأسواق الناشئة
ويواجه مشروع اليورو الرقمي اعتراضات ومخاوف هيكلية من القطاع المصرفي والأوساط السياسية، تتلخص في النقاط التالية:
التحذيرات المصرفية من احتمالية تسبب المشروع في نزوح ودائع القطاع المالي بقيم قد تصل إلى 500 مليار دولار.
المخاوف السياسية المتعلقة بتوسع نطاق رقابة الدولة على المعاملات المالية الفردية.
إرجاء المدى الزمني للاطلاق الرسمي ليكون بحلول عام 2029، وسط عدم حسم الحدود القسوى للمبالغ المسموح بامتلاكها رقمياً.
وعلى صعيد الأسواق الناشئة، لم تتمكن التجارب التطبيقية للعملات الرقمية الرسمية في كل من جزر البهاما، وجامايكا، ونيجيريا من الحد من ظاهرة الدولرة أو تحفيز الشمول المالي بنسب ملموسة.
وفي المقابل، تحقق تطبيقات اليوان الرقمي الصيني (e-CNY) نجاحات في مدفوعات الجملة المعنية بالمعاملات التجارية الدولية بين المؤسسات، مدعومة بالسطوة التجارية لبيجين، مع استمرار فرض قيود صارمة على حركة رؤوس الأموال المحلية.
أزمة السيادة النقدية ومستقبل النظام المالي العالمي
تتداخل دوافع الدفاع عن السيادة النقدية في أوروبا مع القلق من هيمنة شبكات المدفوعات الأمريكية مثل "فيزا" و"ماستركارد" على المعاملات داخل منطقة اليورو.
ورغم تحذيرات قيادات البنك المركزي الأوروبي، وعلى رأسهم بييرو تشيبولوني، من خطورة فقدان السيطرة على المستقبل الاقتصادي، فإن مواجهة هيمنة الدولار وابتكارات العملات المستقرة تتطلب إصلاحات مالية هيكلية، وإنشاء سوق ديون سيادية مشتركة، وصياغة سياسات اقتصاد كلي قوية، بدلاً من الاعتماد المفرط على الحلول التقنية المتمثلة في العملات الرقمية الرسمية.
