الصين تقترب من كسر هيمنة الغرب على صناعة الرقائق بدعم الذكاء الاصطناعي
تتحرك الصين بخطوات متسارعة نحو بناء صناعة محلية متقدمة لأشباه الموصلات، بعد سنوات طويلة من الاعتماد الكبير على الرقائق المستوردة، في تحول تدفعه الاستثمارات الحكومية الضخمة، والعقوبات الأميركية، والحاجة المتزايدة إلى تقنيات تدعم سباق الذكاء الاصطناعي.
وتكشف التطورات الأخيرة أن بكين لم تعد تكتفي بمحاولة تقليص اعتمادها على الخارج، وإنما تسعى إلى تطوير منظومة متكاملة تشمل تصنيع الرقائق ومعدات إنتاجها والبحث والتطوير، مستفيدة من الخبرات المحلية والدعم الذي تقدمه شركات التكنولوجيا الصينية الكبرى.
150 مليار دولار لدعم صناعة الرقائق
بدأت الصين منذ سنوات وضع خطط طويلة الأجل لتطوير قطاع أشباه الموصلات، وكان من أبرزها برنامج «صنع في الصين 2025»، الذي خصصت الحكومة في إطاره نحو 150 مليار دولار لدعم الصناعة المحلية، إلى جانب تمويلات قدمتها الحكومات المحلية.
ورغم أن هذه الاستثمارات لم تحقق النتائج المتوقعة سريعًا، وشهد القطاع إخفاقات ومشكلات مالية وقضايا فساد، فإن بكين واصلت ضخ الموارد وتعديل استراتيجيتها بدلًا من التخلي عن هدف بناء صناعة رقائق قادرة على المنافسة عالميًا.
وفي عام 2015، كانت الصين تعتمد على الإنتاج الخارجي لتوفير نحو 85% من احتياجاتها من أشباه الموصلات، في وقت تجاوزت فيه قيمة وارداتها من الرقائق قيمة ما تنفقه على استيراد النفط، وهو ما عكس حجم الفجوة التي كانت تواجهها الصناعة المحلية.
العقوبات الأميركية تغير حسابات بكين
ساهمت القيود الأميركية على تصدير التكنولوجيا والمعدات المتقدمة إلى الصين في تغيير أولويات بكين، حيث أصبح تطوير البدائل المحلية ضرورة استراتيجية وليس مجرد هدف اقتصادي.
وتركز الصين حاليًا على معالجة الاختناقات الأكثر تأثيرًا في قدرتها على تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، مع العمل على تصنيع بعض معدات إنتاج الرقائق محليًا، وتحسين أداء المعدات الأجنبية الأقدم التي تمتلكها الشركات الصينية.
وتشير هذه الاستراتيجية إلى أن القيود المفروضة على الصين دفعت شركاتها إلى البحث عن حلول تقنية محلية، ومحاولة تحقيق تقدم تدريجي في مجالات كانت تعتمد فيها سابقًا على الموردين الأجانب.
«هواوي» و«تنسنت» تدعمان المصنعين المحليين
تملك شركات التكنولوجيا الصينية الكبرى دورًا متزايدًا في دعم صناعة أشباه الموصلات، وفي مقدمتها «هواوي» و«تنسنت»، إذ يمكن لهذه الشركات أن تعمل كعملاء رئيسيين ومشاركين في عمليات البحث والتطوير.
وتمنح هذه العلاقة شركات تصنيع الرقائق المحلية فرصة لاختبار منتجاتها وتطويرها بالتعاون مع شركات تكنولوجية تحتاج إلى إمدادات محلية، خاصة مع صعوبة وصول الشركات الصينية إلى أحدث الرقائق والمعدات العالمية نتيجة القيود الأميركية.
وأصبحت رقائق الذكاء الاصطناعي التي تنتجها «هواوي» قادرة على التعامل مع تطبيقات متقدمة، من بينها تدريب نماذج لغوية كبيرة وتشغيل تقنيات السيارات ذاتية القيادة ودعم الأنظمة الروبوتية.
«سي إكس إم تي» نموذج للصعود الصيني
تبرز شركة «تشانغشين ميموري تكنولوجيز»، المعروفة اختصارًا باسم «سي إكس إم تي»، باعتبارها أحد أبرز النماذج على التحول الذي تشهده صناعة الرقائق الصينية.
وتأسست الشركة عام 2016 بدعم مالي حكومي كبير، بهدف بناء قدرات محلية في تصنيع رقائق الذاكرة ومنافسة شركات عالمية كبرى مثل «سامسونغ» و«إس كيه هاينكس» و«مايكرون».
وبعد سنوات من الإنفاق والخسائر، وصلت الشركة خلال العام الجاري إلى مرحلة تحقيق الأرباح، وأصبحت رابع أكبر شركة عالميًا في مجالها، كما قفزت قيمتها السوقية بقوة عقب طرح أسهمها للاكتتاب العام.
وفي يوليو الماضي، سجل سهم «سي إكس إم تي» ارتفاعًا كبيرًا بعد طرحه في البورصة، ما جعل الشركة تتجاوز من حيث القيمة السوقية عددًا من شركات النفط والبنوك الصينية الكبرى، في مؤشر على تنامي ثقة المستثمرين في قطاع الرقائق المحلي.
سباق الذاكرة والذكاء الاصطناعي
تسعى «سي إكس إم تي» إلى تطوير رقائق الذاكرة ذات النطاق الترددي العالي، وهي تقنية ترتبط بصورة وثيقة بأنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة، رغم أن الصين لم تتمكن حتى الآن من إنتاج هذا النوع تجاريًا بالمستوى المطلوب.
وتملك الشركة قاعدة من العملاء المحليين تشمل شركات تكنولوجية كبرى، ما يوفر لها سوقًا محلية قادرة على دعم عمليات التطوير والإنتاج، ويمنح عملاءها في المقابل فرصة الحصول على مورد محلي للرقائق المتقدمة.
كما تستفيد صناعة الذاكرة الصينية من الارتفاع العالمي في الطلب على الرقائق نتيجة توسع استثمارات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يوفر للشركات المحلية تدفقات مالية وفرصًا أكبر لتوسيع الإنتاج وتمويل الأبحاث.
الصين تستفيد من نموذج «تكساس إنسترومنتس» و«إنتل»
يعتمد صعود صناعة الرقائق الصينية على عاملين سبق أن لعبا دورًا مهمًا في نجاح شركات عالمية كبرى، وهما الدعم الحكومي طويل الأجل ووجود عملاء كبار يساعدون الشركات على تطوير منتجاتها.
وكانت «تكساس إنسترومنتس» قد استفادت خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي من العقود الحكومية الأميركية المرتبطة بسباق الفضاء، إلى جانب التعاون مع «آي بي إم».
كما استفادت «إنتل» من علاقتها مع «آي بي إم» خلال مرحلة انتشار الكمبيوتر الشخصي، إضافة إلى برامج الدعم الحكومية الأميركية التي ساعدت شركات الرقائق المحلية في مواجهة المنافسة اليابانية.
أما شركة «تي إس إم سي» في تايوان، فحققت نجاحًا عالميًا من خلال الدعم الصناعي الحكومي والعلاقات الوثيقة مع عملاء كبار مثل «أبل» و«إنفيديا»، لتصبح لاحقًا لاعبًا رئيسيًا في تصنيع الرقائق المتقدمة عالميًا.
تحديات ما زالت تواجه بكين
ورغم التقدم الملحوظ، لا تزال صناعة أشباه الموصلات الصينية تواجه فجوة تقنية كبيرة مقارنة بأكبر الشركات العالمية، خصوصًا في أكثر مراحل التصنيع تقدمًا وفي بعض المعدات المستخدمة لإنتاج الرقائق الحديثة.
كما يمثل استمرار القيود الأميركية عامل ضغط على الشركات الصينية، إلى جانب المخاطر المرتبطة بالتمويل والإدارة والفساد والصراعات بين الشركات المحلية.
وتسعى واشنطن إلى إبطاء تقدم الصين في هذا المجال، مستندة إلى مخاوف تتعلق بإمكانية استخدام التقنيات المتقدمة في تطوير القدرات العسكرية، وهو ما يجعل صناعة الرقائق جزءًا أساسيًا من المنافسة الاستراتيجية والتكنولوجية بين البلدين.
نقطة تحول في الصناعة الصينية
ورغم العقبات، تشير التطورات الأخيرة إلى أن الصين قطعت شوطًا كبيرًا في بناء منظومة محلية لأشباه الموصلات مقارنة بما كانت عليه قبل أكثر من عقد.
فبعد أن كانت تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، أصبحت تمتلك شركات قادرة على تطوير الرقائق وتصنيع أجزاء من المعدات والاستثمار في البحث والتطوير، إلى جانب وجود عمالقة تكنولوجيا محليين يمكنهم توفير الطلب والخبرة اللازمة لدعم المصنعين.
وبذلك تبدو صناعة الرقائق الصينية أمام مرحلة جديدة، إذ لم تعد المواجهة مع الولايات المتحدة تعني فقط محاولة الوصول إلى التكنولوجيا الغربية، وإنما تدفع بكين بصورة متزايدة إلى تطوير منظومة تقنية محلية قادرة على الابتكار والعمل بصورة أكثر استقلالية.
