الذهب والنفط يصعدان معًا.. ما السر وراء ارتفاع المعدن الأصفر رغم قفزة الخام؟
في تحرك لافت يخالف النمط الذي سيطر على الأسواق خلال الفترة الماضية، واصلت أسعار الذهب والنفط ارتفاعها في الوقت نفسه، رغم أن صعود أسعار الخام كان عادةً ما يشكل ضغطًا على المعدن النفيس بسبب المخاوف من زيادة التضخم وارتفاع أسعار الفائدة الأميركية.
ويطرح هذا التحرك تساؤلًا مهمًا لدى المستثمرين: لماذا يرتفع الذهب رغم قفزة أسعار النفط؟ الإجابة، وفق تحليل فهد بدر، نائب رئيس قسم الاستثمار في فئة الأصول المتعددة لدى شركة «ميرسر»، تكمن في أن السوقين لا يتحركان حاليًا استجابةً للعامل نفسه، إذ يتأثر النفط بشكل أكبر بمخاطر الإمدادات، بينما يجد الذهب دعمًا من توقعات السياسة النقدية الأميركية وتراجع العوائد الحقيقية للسندات.
النفط يسعّر مخاطر الإمدادات والذهب يترقب الفائدة
وأوضح بدر أن ارتفاع أسعار النفط يرتبط بدرجة كبيرة بالمخاوف من تعطل إمدادات الطاقة نتيجة التوترات الجيوسياسية، في حين أن تحركات الذهب ترتبط بشكل أكبر بتوقعات المستثمرين بشأن مسار أسعار الفائدة الأميركية.
ويُقصد بالعائد الحقيقي للسندات العائد الذي يحصل عليه المستثمر بعد احتساب التضخم المتوقع. وعندما تنخفض هذه العوائد، تصبح السندات أقل جاذبية مقارنة بالذهب، الذي لا يدر فائدة لكنه يستفيد عادةً من انخفاض تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ به.
وارتفعت أسعار الذهب بأكثر من 4% منذ يوم الخميس، لتصل إلى نحو 4145 دولارًا للأونصة خلال تعاملات الأربعاء، بينما قفز خام برنت بأكثر من 10% خلال الفترة نفسها، ليتداول قرب مستوى 93 دولارًا للبرميل.
ويشير هذا الأداء إلى اختلاف دوافع المستثمرين في كل سوق، فبينما يركز المتعاملون في النفط على احتمالات اضطراب الإمدادات، يراقب المستثمرون في الذهب توجهات البنوك المركزية، وخاصة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي.
هل يواصل الذهب الصعود أم يعود دون 4000 دولار؟
يرى بدر أن المحرك الأساسي لصعود الذهب حاليًا لا يتمثل في موجة قوية من الطلب على الملاذات الآمنة، وإنما في توقعات بأن تكون السياسة النقدية الأميركية أقل تشددًا مما كان متوقعًا في السابق.
وبناءً على ذلك، فإن أي مفاجأة تتمثل في اتجاه الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة خلال العام الجاري قد تشكل ضغطًا سلبيًا على الذهب، وربما تدفع أسعاره إلى التراجع دون مستوى 4000 دولار للأونصة.
لكن شركة «ميرسر» لا تتوقع في الوقت الحالي تحقق هذا السيناريو، في ظل استمرار رهانات الأسواق على سياسة نقدية أكثر مرونة نسبيًا.
ورغم تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، لم يشهد الذهب حتى الآن موجة شراء واسعة باعتباره ملاذًا آمنًا، إذ يبدو أن الأسواق لا تزال تراهن على إمكانية احتواء الأزمة ومنع تحولها إلى صراع إقليمي أوسع.
لكن هذه المعادلة قد تتغير إذا اتسعت رقعة المواجهات أو تعرضت حركة الملاحة في البحر الأحمر لاضطرابات كبيرة، وهو ما قد يدفع المستثمرين إلى زيادة مشتريات الذهب والدولار معًا للتحوط من ارتفاع مستويات عدم اليقين.
ويعكس بقاء خام برنت دون حاجز 100 دولار للبرميل أن الأسواق لا تزال ترجح سيناريو احتواء الأزمة والتوصل إلى تسوية، بدلًا من تحولها إلى صدمة جيوسياسية واسعة النطاق.
وبذلك، فإن تزامن صعود الذهب والنفط لا يعني بالضرورة وجود محرك واحد للسوقين، بل يعكس اختلاف العوامل التي تؤثر في كل أصل، مع استمرار ترقب المستثمرين لمسار السياسة النقدية وتطورات الأوضاع الجيوسياسية خلال الفترة المقبلة.
