السبت 27 يونيو 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
سيارات

لماذا تحتفظ السيارات المستعملة بقيمتها في مصر بينما تنهار أسعارها في العالم؟

السبت 27/يونيو/2026 - 07:20 م
هل تعتبر السيارات
هل تعتبر السيارات المستعملة مخزن للقيمة مثل الذهب والدولار؟

في معظم دول العالم، تُعد السيارة من أكثر الأصول التي تفقد قيمتها بسرعة. فبمجرد خروج السيارة الجديدة من المعرض تبدأ في فقدان جزء من سعرها، وقد تخسر ما بين 40% و60% من قيمتها خلال أول خمس سنوات، وفقًا لنوع السيارة ومدى انتشارها وتكاليف صيانتها. 

أما في مصر، فالمشهد يبدو مختلفًا تمامًا؛ إذ قد تجد سيارة مر على إنتاجها 10 أو 15 عامًا وما زالت تُباع بمئات الآلاف من الجنيهات، بل وأحيانًا يرتفع سعرها مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات.


فلماذا يحدث ذلك؟ وهل مصر حالة استثنائية؟ وهل بالفعل توجد "مافيا" تستفيد من استمرار الأسعار المرتفعة؟


هل مصر وحدها؟

لا. هناك أسواق أخرى تشهد الظاهرة نفسها، مثل باكستان ولبنان وبعض الدول التي تعاني من نقص الاستيراد أو ارتفاع الرسوم الجمركية وتقلبات أسعار العملة، لكن مصر تُعد من أكثر الأسواق التي ظهرت فيها هذه الظاهرة بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة. 


لماذا تنخفض أسعار السيارات في الخارج؟


في أوروبا وأمريكا واليابان، تتراجع أسعار السيارات المستعملة لأسباب طبيعية، أبرزها:
وفرة السيارات الجديدة باستمرار.
سهولة الاستيراد والتصدير.
انخفاض تكلفة التمويل.
المنافسة القوية بين الشركات.
دخول موديلات جديدة كل عام بتكنولوجيا أحدث.
ارتفاع تكاليف صيانة السيارات القديمة، ما يقلل الإقبال عليها.
لذلك، تصبح السيارة أصلًا استهلاكيًا يفقد قيمته بمرور الوقت.


لماذا الوضع مختلف في مصر؟


هناك عدة عوامل اجتمعت لتصنع هذا الواقع، أهمها:


أولًا: نقص المعروض من السيارات الجديدة


خلال السنوات الماضية، واجهت السوق المصرية صعوبات في الاستيراد، ما أدى إلى انخفاض عدد السيارات الجديدة المتاحة. وعندما يقل المعروض من "الزيرو"، يتجه المشترون تلقائيًا إلى المستعمل، فيرتفع الطلب وترتفع الأسعار. 


ثانيًا: ارتفاع سعر الدولار


السيارات في مصر تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد أو المكونات المستوردة، لذلك أي ارتفاع في سعر الدولار ينعكس مباشرة على أسعار السيارات الجديدة، وبالتالي يرفع أسعار المستعمل أيضًا. 


ثالثًا: الرسوم والضرائب


الرسوم الجمركية والضرائب ورسوم التنمية تجعل سعر السيارة الجديدة أعلى من كثير من الأسواق العالمية، وهو ما يرفع تلقائيًا القيمة السوقية للمستعمل.


رابعًا: ضعف المعروض من المستعمل نفسه


الكثير من ملاك السيارات يؤجلون البيع خوفًا من عدم القدرة على شراء بديل بنفس الجودة أو السعر، فتقل السيارات المعروضة للبيع ويزداد الضغط على السوق. 


خامسًا: اعتبار السيارة مخزنًا للقيمة


في فترات التضخم، ينظر بعض المواطنين إلى السيارة باعتبارها وسيلة للحفاظ على قيمة الأموال، وليس مجرد وسيلة انتقال، وهو ما يزيد الطلب عليها.


لماذا تُباع سيارة عمرها 15 أو 20 سنة بمئات الآلاف؟


لأن السعر في مصر لا يعكس عمر السيارة فقط، بل يعكس تكلفة استبدالها.
فإذا كانت السيارة الجديدة البديلة تجاوز سعرها مليون جنيه، فمن الطبيعي أن ترتفع قيمة السيارة المستعملة حتى لو كان عمرها كبيرًا، طالما أنها بحالة جيدة ويوجد طلب عليها.
بمعنى آخر، السوق يسعر "تكلفة البديل" أكثر مما يسعر عمر السيارة.


هل توجد "مافيا" للسيارات؟


لا توجد أدلة رسمية على وجود تنظيم أو "مافيا" تتحكم في السوق بالكامل، لكن خبراء السوق يتحدثون عن عدة ممارسات قد تؤثر على الأسعار، مثل:
احتفاظ بعض التجار بالمخزون وعدم طرحه دفعة واحدة.
شراء سيارات بكميات كبيرة وإعادة عرضها بأسعار أعلى.
نشر أسعار مبالغ فيها على مواقع البيع لخلق انطباع بأن السوق ارتفع.
استغلال نقص المعروض لزيادة هامش الربح.
لكن هذه الممارسات وحدها لا تستطيع رفع الأسعار إذا كان المعروض وفيرًا، لذلك يبقى العامل الأساسي هو نقص السيارات الجديدة وارتفاع تكلفة الاستيراد. 


هل يمكن أن تنخفض الأسعار؟


يمكن ذلك، بشرط:
زيادة استيراد السيارات الجديدة.
استقرار سعر الصرف.
زيادة المعروض داخل السوق.
تحسن القوة الشرائية وعودة المنافسة.
وقد شهدت السوق بالفعل فترات تراجعت فيها أسعار بعض السيارات المستعملة بنسبة تتراوح بين 10% و20% مع انخفاض أسعار الزيرو وزيادة المعروض، إلا أن الانخفاض لم يشمل جميع الطرازات. 


بشكل عام، لا يمكن اعتبار السيارات المستعملة في مصر مخزن للقيمة، ليس لأنها "استثمار" بطبيعتها، بل لأن السوق يعاني من اختلال في معادلة العرض والطلب، وارتفاع تكلفة السيارات الجديدة، وتأثير سعر الدولار ورسوم الاستيراد. لذلك، تبدو سيارة عمرها 15 عامًا وكأنها لا تفقد قيمتها، بينما في الحقيقة هي تعكس ظروف السوق أكثر مما تعكس قيمتها الفعلية.


ورغم حديث البعض عن وجود مستفيدين من استمرار الأسعار المرتفعة، فإن العامل الحاسم يظل اقتصاديًا في المقام الأول؛ فكلما عاد المعروض إلى طبيعته واستقرت السوق، عادت السيارات المستعملة إلى أداء دورها الطبيعي كأصل يفقد قيمته مع مرور الوقت، كما يحدث في أغلب دول العالم.