ترامب في مأزق اقتصادي.. وول ستريت يزدهر والمواطن يعاني التضخم
مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر، يبدو الاقتصاد الأمريكي وكأنه يسير على خطين متوازيين لا يلتقيان، فبينما تعكس مؤشرات وول ستريت موجة تفاؤل مدفوعة بأرباح قوية للشركات واستمرار نمو سوق العمل، يعيش قطاع واسع من الأمريكيين واقعًا مختلفًا تحكمه ضغوط التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، في مشهد يعكس انقسامًا اقتصاديًا حادًا داخل أكبر اقتصاد في العالم.
هذا التباين يضع إدارة الرئيس دونالد ترامب والحزب الجمهوري أمام معادلة معقدة، إذ لا تعكس المؤشرات المالية الصورة نفسها التي يلمسها المواطن العادي. فالمستثمرون يرون اقتصادًا قادرًا على امتصاص الصدمات الجيوسياسية، بما في ذلك تداعيات الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران واضطرابات مضيق هرمز، بينما يشعر المستهلكون بأن موجة الغلاء الممتدة منذ 2021 لم تتراجع بعد، بل تواصل الضغط على دخولهم الحقيقية.
وتترقب الأسواق بيانات التضخم لشهر أبريل، وسط توقعات تشير إلى ارتفاع الأسعار بنسبة قد تصل إلى 3.7% على أساس سنوي، وهو أعلى مستوى منذ سبتمبر 2023، مع زيادة شهرية متوقعة تبلغ 0.6%.
هذه الأرقام، إن تحققت، ستعزز الانطباع بأن التضخم لا يزال أكثر صلابة مما كان متوقعًا، رغم جهود السياسة النقدية للحد منه.
في المقابل، يواصل الاقتصاد الأمريكي إظهار قدر من المرونة، فقد سجل سوق العمل نموًا للشهر الثاني على التوالي، مع استقرار معدل البطالة عند 4.3%، بينما ارتفع الناتج المحلي الإجمالي بنحو 2% خلال الربع الأول، ما يعكس قدرة نسبية على تحمل الصدمات المرتبطة بالصراع الإقليمي والتوترات الجيوسياسية.
كما أن أداء الشركات المدرجة في مؤشر S&P 500 يعزز هذا الاتجاه الإيجابي، إذ تجاوزت الغالبية العظمى من الشركات توقعات الأرباح، مع نمو إجمالي في الأرباح تجاوز 27%، مدفوعًا بشكل رئيسي بشركات التكنولوجيا الكبرى. هذا الأداء دفع المؤشر إلى تسجيل مكاسب قوية منذ بداية العام، رغم تصاعد المخاطر الجيوسياسية.
لكن هذا المشهد لا يخلو من التشكيك، فعدد من الاقتصاديين، من بينهم الحائز على نوبل بول كروغمان، يرون أن قوة التوظيف قد تكون أقل صلابة مما تبدو عليه، مشيرين إلى تباطؤ محتمل في خلق الوظائف خلال عام 2024، إضافة إلى تأثيرات سياسات الهجرة على سوق العمل.
كما يحذر محللون آخرون من أن النمو الحالي يعتمد بشكل متزايد على قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ما يجعله نموًا غير متوازن.
ويرى خبراء مثل محمد العريان أن قدرة قطاع التكنولوجيا على دعم الاقتصاد الأميركي ليست بلا حدود، وأن استمرار الصراعات الجيوسياسية قد يفرض سقفًا لهذا النمو، في الوقت نفسه، تشير تقارير إلى أن التضخم المرتفع يلتهم جزءًا كبيرًا من مكاسب الأجور، ما يقلل من الأثر الإيجابي للنمو الاقتصادي على حياة المواطنين.
أما في سوق الطاقة، فتبرز مفارقة لافتة، إذ قد تستفيد الولايات المتحدة من ارتفاع أسعار النفط بصفتها منتجًا رئيسيًا، ما يدعم بعض قطاعات الاقتصاد، بينما يؤدي في الوقت نفسه إلى زيادة أسعار البنزين داخليًا، وهو ما يضغط على المستهلكين ويؤثر على قرارات الإنفاق.
في النهاية، يبدو الاقتصاد الأميركي محاصرًا بين صورتين: اقتصاد مالي قوي تدعمه الأسواق والشركات الكبرى، واقتصاد معيشة يومي يعاني من التضخم وتآكل القدرة الشرائية. وبين هذين العالمين، تتحدد ملامح المعركة الانتخابية المقبلة، حيث سيحاول الناخب الأميركي الإجابة عن سؤال واحد: أي اقتصاد يمثل الواقع الحقيقي؟.






