الأحد 26 أبريل 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
تحليل

عمرو عامر يكتب: كيف تحول البيت الأبيض إلى غرف لصفقات المراهنات والحروب؟

الأحد 26/أبريل/2026 - 05:09 م
الكاتب الصحفي عمرو
الكاتب الصحفي عمرو عامر

بينما تنشغل شاشات الرادار بتتبع مسارات الصواريخ فوق مضيق هرمز، وتترقب الأسواق العالمية بفزع تغريدة "تويترية" قد تهبط بأسعار النفط أو ترفعها، هناك شبح يسكن المنطقة الرمادية بين القرار السياسي ومنصات المراهنات الرقمية؛ شبح يمتلك المعلومة قبل صدورها بساعة، ويحول دماء الجنود وأزمات الشعوب إلى أرقام خضراء في حسابات مجهولة.

​ ما يحدث اليوم في واشنطن ليس مجرد "سياسة خشنة"، بل هو عملية "خصخصة للقرار السيادي"، حيث تحول البيت الأبيض إلى محرك للربح الشخصي، وتفوقت فيه مصالح العائلة على مقتضيات الأمن القومي الأمريكي ومصائر الشعوب إلى لعبة قمار محسوبة.

​المعلومة كأداة للجريمة المالية

​ليست مصادفة أن تسبق مراهنات منصة "بولي ماركت" إعلان الحرب على إيران بساعة واحدة، وليست صدفة أن تُباع عقود النفط الآجلة وتُشترى قبل دقائق من تصريحات ترامب المتناقضة حول وقف إطلاق النار، نحن أمام نمط متكرر يكشف عن وجود "ثقب أسود" داخل مكتب الرئيس الأمريكي، يسرب أخطر أسرار الدولة لخدمة حسابات مجهولة تحقق ملايين الدولارات في دقائق وكأن البيت البيضاوي تحول إلى مقصورة رهانات كل شيء فيها مباح للبيع والشراء حتي لو على حساب خسائر فادحة الشركات والدول الأخرى وانهيارات اقتصادها في أنانية مفرطة وغير مسبوقة للسياسة الأمريكية القذرة.

​عندما يُكشف جندي من المارينز بتهمة المراهنة على عملية خطف الرئيس الفنزويلي، فإننا لا ننظر إلى "فاسد منفرد"، بل ننظر إلى ضحية صغيرة لثقافة عامة أرساها القائد الأعلى؛ ثقافة ترى في المعلومة العسكرية "سلعة" وفي الحرب "سبوبة".

​إمبراطورية الصهر والابن

​لا يمكن قراءة المشهد بمعزل عن تحركات "جاريد كوشنير" زوج ابنة ترامب وشركته "أفينت بارتنر"، التي تضخ المليارات في شرايين شركات السلاح الإسرائيلية، إنها حلقة مفرغة ومشبوهة، فيها الرئيس الأمريكي يشعل فتيل التوتر، الصهر يجمع الاستثمارات، والابن "إريك" يحصل على عقود تطوير مسيرات بمليارات الدولارات.

​هنا، تصبح الحرب ضرورة اقتصادية للعائلة؛ فكلما زاد التهديد بضرب المفاعلات النووية أو إغلاق المضائق، ارتفعت قيمة أسهم شركات الدفاع، وتضاعفت أرباح الصناديق الاستثمارية المرتبطة بالدائرة الضيقة للرئيس.

​وزير الدفاع.. شريك في المحفظة لا في القرار

​الطامة الكبرى تكمن في تحول قيادات الجيش الأمريكي من حماة للدستور إلى مضاربين في البورصة، عندما يملك وزير الدفاع أسهماً في "لوكهيد مارتن" ويستثمر في صناديق المؤشرات التي تقتات على تذبذبات الحرب، فإنه يفقد أهليته الأخلاقية لتقدير الموقف العسكري، القرار هنا لا يُتخذ بناءً على "النصر أو الهزيمة"، بل بناءً على "الصعود أو الهبوط" في مؤشر داو جونز.

​الرسوم الجمركية: الخديعة الكبرى

​ما حدث في 2 أبريل الماضي من تلاعب بملف الرسوم الجمركية كان "بروفة" فجة لكيفية هندسة الأسواق، أن تنهار الأسهم بفعل قرار وتنتعش بفعل تأجيله، وفي الفراغ الزمني بينهما تدخل شركات "الأصدقاء المقربين" لتشتري بالرخيص وتبيع بالقمة، فهذا ليس "ذكاءً تجارياً"، بل هو نهب منظم لأموال المودعين والمستثمرين الصغار تحت غطاء الصلاحيات الرئاسية.

​الرئيس المقامر

​إن ترامب لا يدير دولة، بل يدير "كازينو" عالمياً، طاولته هي خريطة العالم، وأدوات المراهنة فيه هي أرواح البشر واستقرار الاقتصاد العالمي، إن وصول التحقيقات إلى جندي صغير بينما يفلت "حيتان" المكتب البيضاوي، هو إهانة لفكرة العدالة.

​على الكونجرس ألا يكتفي بالتحقيق في "تسريبات عسكرية"، بل عليه التحقيق في "خيانة الأمانة الاقتصادية"، فالدول التي تُدار بعقلية المراهنات، تنتهي دائماً بالإفلاس، والربح الذي يتحقق من أنين الحروب هو ربح ملطخ بالعار، مهما بلغت قيمته في حسابات "بولي ماركت".

هنا تتجسد كلمة الرئيس السيسي حينما قال إننا نتعامل بشرف في زمن عز فيه الشرف، وأصبح التآمر من كل ناحية ومصائر الشعوب تدار وفق أجندات سوداء ومخططات مشبوهة اختلط فيها الفساد العالمي بالقرار السياسي، زمن تتحرك فيه الميليشيات وتدار خطط تدمير الدول وتخريب الأسواق من خلال غرف سرية في مكاتب المراهنات العالمية والتي تقودها عصابات تهوى إشعال الحروب وتفتيت الدول.