العقار المصري ينتصر على الأزمات الإقليمية.. ومبيعات الكبار تتجاوز 1.7 تريليون جنيه
في الوقت الذي تشهد فيه الأسواق العالمية والإقليمية حالة من الارتباك الشديد، أثبت العقار المصري أنه لا يزال "الحصان الرابح" والملاذ الآمن لمدخرات المصريين والمستثمرين على حد سواء.
ووفقاً لأحدث تقارير شركة "ذا بورد كونسالتينج" لأبحاث السوق، سجلت مبيعات أكبر 30 مطوراً عقارياً في مصر رقماً قياسياً غير مسبوق، حيث بلغت نحو 1.7 تريليون جنيه خلال العام الماضي، بزيادة قدرها 6% عن عام 2024.
وهذا الرقم الضخم يعكس بوضوح أن "الشهية" نحو شراء العقار في المدن الجديدة والمناطق الساحلية لا تزال مفتوحة، رغم كل التحديات الاقتصادية والتقلبات التي تحيط بالمنطقة.
وبلغة الأرقام التي تهم كل مهتم بالسوق، نجد أن السيطرة في هذا الماراثون كانت لـ "اللاعبين الكبار"؛ حيث استحوذ أكبر 10 مطورين وحدهم على مبيعات بلغت 1.26 تريليون جنيه.
وجاءت "مجموعة طلعت مصطفى" في الصدارة كعادتها بمبيعات تعاقدية بلغت 382.2 مليار جنيه، تلتها شركة "بالم هيلز" بمبيعات وصلت لـ 207 مليارات جنيه، ثم "إعمار مصر" في المركز الثالث بـ 179 مليار جنيه.
هذا الترتيب يوضح أن الثقة والمصداقية والقدرة على التسليم هي المعايير التي يختار على أساسها المشتري اليوم، خاصة في ظل ارتفاع متوسط سعر الوحدة ليصل لـ 18 مليون جنيه للوحدات المتوسطة، و42 مليون جنيه للوحدات الفاخرة.
استراتيجيات ذكية لمواجهة الغلاء.. «الأقساط الممتدة» تنقذ القدرة الشرائية
ورغم أن قيمة المبيعات ارتفعت، إلا أن التقرير لفت الانتباه إلى نقطة هامة جداً، وهي أن عدد الوحدات المباعة فعلياً تراجع بنسبة 7%، حيث بيعت نحو 68 ألف وحدة لدى أكبر 20 مطوراً.
وهذا التناقض (ارتفاع القيمة مع تراجع العدد) يرجع إلى الارتفاع الملحوظ في أسعار العقارات. ولكن، كيف حافظت الشركات على زخم البيع؟ السر يكمن في "المرونة"؛ حيث لجأت شركات كبرى مثل "بالم هيلز" إلى ابتكار خطط سداد ممتدة تصل إلى 12 عاماً، وهي الخطوة التي لاقت قبولاً واسعاً وساعدت المواطن على اتخاذ قرار الشراء رغم ضغوط المعيشة.
وعلى صعيد "العملاق" طلعت مصطفى، فقد استمرت مشروعات مثل "مدينتي" و"الرحاب" في تحقيق أرقام مذهلة تجاوزت 133 مليار جنيه، مع توسع ذكي في مناطق واعدة مثل شرم الشيخ عبر مشروع "شرم باي"، بالإضافة إلى نجاح باهر في الأسواق الخليجية مثل الرياض وعمان.
وأما "إعمار مصر"، فقد عادت للساحة بقوة بفضل مشروع "مراسي ريد" في البحر الأحمر الذي حقق وحده مبيعات تجاوزت 100 مليار جنيه، متفوقاً على سوق البحر الأحمر بالكامل في العام السابق. هذا الأداء يثبت أن المواطن يبحث عن "المجتمع المتكامل" والخدمات المتميزة قبل أي شيء آخر.
سوق «السماسرة».. 400 مليار جنيه مبيعات عبر شركات الوساطة
ولا يمكن الحديث عن طفرة العقار في 2025 دون ذكر "الجنود المجهولين" في هذا السوق، وهم الوسطاء العقاريون أو "السماسرة". التقرير كشف عن رقم مذهل؛ حيث ساهمت شركات الوساطة بنسبة تتراوح بين 60% إلى 70% من إجمالي مبيعات المطورين.
ونجحت أكبر 8 شركات وساطة في تحقيق مبيعات تجاوزت 400 مليار جنيه، وتصدرت المشهد شركات مثل "ناوي" و"ذا أدرس" و"كولدويل بانكر".
وهذا التطور يوضح أن سوق العقار في مصر أصبح "مؤسسياً" بامتياز، حيث يعتمد المشتري على خبرة هذه الشركات لاختيار الوحدة الأنسب له من حيث السعر والموقع والمصداقية.
ولم يقتصر الأمر على الشركات القديمة، بل شهد عام 2025 ولادة "لاعبين جدد" دخلوا السوق بقوة وبنوك أراضٍ ضخمة، مثل شركة "STM" وشركة "Nations of Sky"، مما يضمن استمرار المنافسة ومنع الاحتكار.
وهذه الشركات الجديدة تركز بشكل أساسي على المناطق "الساخنة" مثل شرق القاهرة والساحل الشمالي، الذي تحول إلى وجهة دولية بمعايير عالمية، مما يضع مصر على خريطة "تصدير العقار" للخارج بشكل حقيقي وجاذب للعملة الصعبة.
مصر «ملاذ آمن» وسط اشتعال المنطقة وانهيار أسواق الخليج
وأما النقطة الأكثر إثارة في التقرير هي المقارنة بين وضع العقار في مصر وما يحدث إقليمياً وعالمياً في عام 2026. فبينما شهدت أسواق أوروبا وكندا تراجعاً ملحوظاً، وتعرض سوق دبي لانخفاض حاد في الثقة بسبب تصاعد التوترات العسكرية مع إيران، تبرز مصر كواحدة من أكثر الوجهات استقراراً وأماناً.
والتقرير أشار إلى أن انهيار الثقة في "الملاذ الخليجي" جعل الأنظار تتجه نحو مصر كبديل قوي، خاصة مع وصول سعر الدولار لنحو 52 جنيهاً، مما يجعل العقار المصري "رخيصاً وجذاباً" للمغتربين والعرب.
ويتوقع الخبراء زيادة في أسعار العقارات بنسبة 10% خلال الفترة القادمة، مدفوعة بارتفاع تكاليف التنفيذ والطلب المتزايد من المصريين بالخارج.
ورغم أن البعض قد يشعر بالقلق من "تباطؤ" الشراء الاندفاعي، إلا أن التقرير طمأن الجميع بأن هذا "تصحيح طبيعي" للسوق؛ فالمشترون أصبحوا أكثر وعياً وحذراً، والشركات القوية هي فقط التي ستصمد وتكمل المسيرة.
إن السوق يمر بمرحلة تصفية للعروض غير المستدامة، مما يعزز من قوته ومرونته في المستقبل، ويجعل من الاستثمار في العقار اليوم قراراً ذكياً لمن يبحث عن الأمان المالي وسط الاضطرابات العالمية.
