قفزة بـ58% في التمويل الاستهلاكي.. الشراء بالتقسيط درع المصريين ضد التضخم
لم يعد الشراء بالتقسيط في عرف المستهلك المصري مجرد وسيلة لتوزيع الأعباء المالية، بل أعيد تعريفه في الآونة الأخيرة ليصبح "أداة تحوط" استراتيجية لمواجهة تقلبات الأسعار.
فمع تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة وتنامي المخاوف من موجات تضخم جديدة، بات المستهلكون يسابقون الزمن لتثبيت أسعار احتياجاتهم عبر أنظمة الدفع الآجل، مفضلين التعاقد بالسعر الحالي على المخاطرة بتكلفة أعلى في المستقبل.
نمو قياسي يتجاوز 87 مليار جنيه
وكشفت بيانات قطاع التمويل غير المصرفي عن طفرة غير مسبوقة في نشاط التمويل الاستهلاكي، حيث قفز حجم التمويل الممنوح خلال عام 2025 ليصل إلى 87.2 مليار جنيه، مسجلاً معدل نمو هائل بلغ 58.4% مقارنة بعام 2024 الذي سجل 55.1 مليار جنيه.
وهذا التسارع يعكس تحولاً جذرياً في السلوك الشرائي، حيث لم يعد الشراء التقسيط حكراً على شراء الأجهزة الكهربائية والسيارات، بل امتد ليشمل الملابس والسلع الغذائية ومستلزمات المعيشة اليومية.
فلسفة التحوط.. الشراء الآن لتجنب غلاء الغد
يرى خبراء القطاع أن الأزمات الاقتصادية والجيوسياسية باتت المحرك الأول لخدمات "الشراء الآن والدفع لاحقاً".
وأوضح محمد الفقي، الشريك المؤسس لشركة «سيمبل»، أن المستهلكين يلجؤون للتقسيط بدافع "التعجيل بالشراء" لتفادي الزيادات السعرية المتوقعة أو نقص المعروض.
وأشار الفقي إلى أن السلوك الحالي يشبه أنماطاً ظهرت خلال جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، لكنه يتسم الآن بسرعة استجابة الأسواق للتوترات نتيجة الترابط العالمي الوثيق.
التقسيط كوسيلة لإدارة السيولة قبل موسم العيد
ومع اقتراب عيد الفطر المبارك، رصدت الشركات العاملة في القطاع إقبالاً كثيفاً على شراء الملابس والسلع الاستهلاكية بالتقسيط.
وأكد علي محمود عبد الوهاب، المدير التنفيذي لشركة "بي تك للتمويل الاستهلاكي"، أن المستهلك أصبح ينظر للتقسيط كـ "ملاذ آمن" ضد التضخم وارتفاع الفائدة.
وأضاف أن سرعة إجراءات الموافقة الرقمية وسهولة الحصول على التمويل داخل نقاط البيع ساهمت في جذب شرائح جديدة، مما جعل التقسيط وسيلة ذكية لإدارة ميزانية الأسرة وتوزيع النفقات بدلاً من استنزاف السيولة دفعة واحدة.
تحديات المعروض والرقابة التنظيمية
ورغم هذا النمو، يبقى "نقص المعروض" هو العائق الأبرز؛ حيث يشير الخبراء إلى أن بعض التجار يميلون لسحب السلع، مثل السيارات، انتظاراً لارتفاع الأسعار، مما يحد من فاعلية التمويل أحياناً.
وفي مقابل هذا التوسع السريع، تفرض الجهات الرقابية المصرية أطراً تنظيمية صارمة لضمان استدامة القطاع وحماية استقرار النظام المالي غير المصرفي، بما يوازن بين نمو الاستهلاك وحماية حقوق الأطراف كافة.
