الخميس 12 مارس 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
ramadan
رئيس التحرير
عمرو عامر
تحليل

علاء فاروق يقود مشروع البتلو من الانهيار إلى الازدهار.. تمويل يتجاوز 10 مليارات جنيه ومخطة شاملة لضبط سوق اللحوم

الخميس 12/مارس/2026 - 11:21 ص
بانكير

في قلب الريف المصري، وبين أروقة المزارع الصغيرة التي تشكل العمود الفقري للثروة الحيوانية، تتردد اليوم أصداء معركة اقتصادية صامتة، بطلها "العجل الصغير" الذي كان يُذبح يوماً وهو لم يتجاوز أسابيعه الأولى، ليضيع معه حلم الاكتفاء الذاتي. 

واليوم، يبرز "المشروع القومي لإحياء البتلو" كطوق نجاة حقيقي، ليس فقط للمربين الذين ضاقت بهم السبل، بل لكل مواطن بسيط يبحث عن قطعة لحم بسعر عادل في سوق لا يتوقف عن الغليان.

الحكاية تبدأ من فلسفة بسيطة غابت لسنوات، "لماذا نذبح حيواناً يزن 100 كيلوجرام ليعطينا 30 كيلوجراماً فقط من اللحم، بينما يمكننا بالصبر والرعاية أن نجعله يعطينا 250 كيلوجراماً؟". 

هذه المعادلة هي سر التحول الكبير الذي يقوده جهاز تنمية الثروة الحيوانية بوزارة الزراعة، حيث تحولت الأرقام من مجرد ميزانيات على الورق إلى رؤوس ماشية تملأ الحظائر وخير يتدفق في بيوت صغار المربين وشباب الخريجين.
 

من ملايين الجنيهات إلى مليارات الأمل

حين انطلق قطار "البتلو" في منتصف عام 2017، كانت البداية متواضعة بتمويل لم يتجاوز 100 مليون جنيه. واليوم، وبعد مرور نحو 9 سنوات، يتحدث لغة المليارات؛ حيث تخطى حجم التمويل الإجمالي حاجز الـ 10 مليارات و350 مليون جنيه.

 وبحسب لغة الأرقام التي كشف عنها علاء فاروق، وزير الزراعة، فإن الشهر الماضي وحده شهد اعتماد 297 مليون جنيه كتمويل جديد استفاد منه 425 مربياً من الشباب وسيدات قرى "حياة كريمة"، لتمويل شراء وتربية أكثر من 4250 رأس ماشية.

هذا الضخ المالي لم يكن مجرد قروض، بل كان استثماراً في "الأمن الغذائي"؛ فقد استفاد من المشروع حتى الآن أكثر من 45 ألف مستفيد، نجحوا في تسمين وتربية 527 ألف رأس ماشية. 

وهنا يقول طارق سليمان، رئيس جهاز تنمية الثروة الحيوانية، بعبارة حاسمة: "لولا هذا المشروع لكانت أسعار اللحوم اليوم في مستوى آخر تماماً لا يقوى عليه أحد".

روشتة النجاح.. سلالات عالمية وفائدة «بسيطة»

ولكن النجاح في عالم الثروة الحيوانية لا يحتاج للمال وحده، بل يحتاج لـ "روشتة" علمية تضمن ألا يضيع الجهد سدى. الوزارة وضعت يدها على الجرح القديم؛ وهو "معدل التحويل".

 فالسلالات المحلية كانت تنمو ببطء، مما يدفع المربي للذبح المبكر هرباً من تكاليف العلف.

 أما اليوم، فقد فتح المشروع الباب لاستيراد سلالات عالمية (مثل البرازيلي والأوكراني والكولومبي) تمتاز بمعدلات نمو تعادل ضعف السلالات المحلية، حيث تكتمل دورة التسمين في 6 أشهر فقط.

والمغري في الأمر بالنسبة لـ "رجل الشارع" الطامح في مشروع صغير، هو التسهيلات غير المسبوقة؛ فالفائدة بسيطة ومتناقصة وتقل عن 5%، مع إجراءات تبدأ بمعاينة الحظائر لضمان ملاءمتها، ثم توفير رعاية بيطرية مكثفة، وتسجيل وترقيم وتحصين الرؤوس فور استلامها، بل والتأمين عليها بقيمة مخفضة لتعويض المربي في حال حدوث أي مكروه لماشيته.

الاكتفاء الذاتي.. معركة الـ 5% الضائعة

وتؤكد التقارير الرسمية أن مصر تسير بخطى واثقة نحو تقليل الاعتماد على الخارج؛ فقد ارتفعت معدلات الاكتفاء الذاتي من اللحوم الحمراء من 55% في العام الماضي لتصل إلى 60% في العام الحالي. 

وهذه الـ 5% الإضافية تعني مئات الآلاف من أطنان اللحوم التي تم إنتاجها محلياً بدلاً من استيرادها بالعملة الصعبة.

ومع ذلك، لا يزال هناك صوت للعقل يطالب بالمزيد؛ حيث يرى شلبي جابر، نائب رئيس شعبة الجزارين، أن التحدي الحقيقي يكمن في ملاحقة الزيادة السكانية التي تخطت 100 مليون نسمة. 

ويؤكد جابر أن استيراد سلالات محصنة ذات إنتاجية عالية تتخطى 2.5 كجم يومياً هو "كلمة السر" لمنع استنزاف الموارد، وتحويل المشروع من مجرد قروض ميسرة إلى صناعة كبرى توفر اللحوم بأسعار متنوعة تناسب كافة مستويات الدخول.

نهاية عصر «الذبح المبكر»

وأما الهدف الأسمى الذي يجمع عليه الخبراء والمربون هو "التنمية الرأسية"؛ أي تعظيم الفائدة من الرأس الواحدة. فقرار منع ذبح الحيوانات التي يقل وزنها عن 100 كيلوجرام كان القرار الأكثر جرأة، لأنه أوقف نزيف الثروة الحيوانية.

 فبدلاً من الحصول على كمية لحم ضئيلة ونسبة "تصافٍ" منخفضة، أصبحنا نحصل من الرأس الواحدة على أكثر من 250 كيلوجراماً من اللحم الصافي، وهو ما يعادل 8 أضعاف ما كان ينتج في الماضي.

وفي النهاية، يبدو مشروع البتلو اليوم وكأنه "الرئة" التي يتنفس منها سوق اللحوم في مصر. فبين تمويلات ميسرة، وسلالات مستوردة سريعة النمو، ورقابة بيطرية صارمة، تتشكل ملامح رؤية اقتصادية شاملة تتجاوز أزمات الماضي وتعد المصريين بمستقبل تكون فيه "قطعة اللحم" حقاً متاحاً للجميع، وليس مجرد رفاهية بعيدة المنال.