في قلب الصحراء.. مشروع «الداخلة – العوينات» يكتب شهادة ميلاد 660 ألف فدان جديدة لتأمين غذاء المصريين
تسابق الدولة المصرية الزمن في عمق الصحراء الغربية، حيث تتحول الرمال القاحلة إلى جنات خضراء بفضل ملحمة زراعية يقودها "جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة".
فمع دخول مشروع "الداخلة – العوينات" مرحلة جديدة من التنفيذ، بدأت ملامح أكبر رقعة زراعية منتجة في المناطق الحدودية تتشكل، ضمن استراتيجية طموحة تهدف لإضافة 4.5 مليون فدان للرقعة الزراعية بحلول عام 2027، لتقليل الاعتماد على الاستيراد وتحقيق السيادة الغذائية.
المشروع الذي يقع في قلب محافظة الوادي الجديد، بالقرب من الحدود الليبية والسودانية، لا يعتمد على الصدفة، بل يستند إلى كنز مائي ضخم وهو "خزان الحجر الرملي النوبي" الذي يعد من أكبر مخازن المياه الجوفية في العالم.
وقد كشفت صور الأقمار الصناعية الحديثة عن تحول مذهل في طبيعة الأرض، حيث ظهرت الدوائر الخضراء المنتظمة لترسم لوحة فنية تعكس نجاح الدولة في قهر التحديات الجغرافية والمناخية الصعبة.
من التجربة إلى العملاق.. مراحل غزو الصحراء
ولم يكن الانطلاق في هذا المشروع عشوائياً، بل مر بمراحل مدروسة لضمان استدامة الإنتاج:
المرحلة التجريبية: انتهى العمل بالفعل في المرحلة الأولى على مساحة 15 ألف فدان، والتي كانت بمثابة "اختبار حقيقي" لجودة التربة وكفاءة أنظمة الري والبنية التحتية.
التوسع الحالي: يجري العمل الآن على استصلاح 200 ألف فدان ضمن المرحلة الثانية، وسط خلية نحل لا تهدأ من المهندسين والعمال.
الهدف النهائي: تسعى الدولة للوصول بالمساحة الإجمالية للمشروع إلى 660 ألف فدان، ليكون أحد الروافد الأساسية للإنتاج الزراعي في مصر.
أرقام تعكس ضخامة الإنجاز.. بنية تحتية ذكية
وما يتحقق على الأرض في منطقة "الداخلة – العوينات" هو إعجاز هندسي وزراعي متكامل، حيث شملت الأعمال المنفذة حتى الآن:
مصادر المياه: حفر 1349 بئراً للمياه الجوفية وتجهيزها بـ 200 مولد كهربائي لضمان تدفق المياه على مدار الساعة.
أنظمة الري الحديثة: تركيب 1320 جهاز ري محوري ذكي (Pivot)، وهي التقنية الأحدث التي تضمن أقصى استفادة من كل قطرة مياه وتمنع الهدر.
التحكم والربط: إنشاء 1349 غرفة تشغيل وتحكم ذكية، مع مد شبكة مواسير فرعية لنقل المياه بطول 524 كيلومتراً.
شرايين الحركة: تنفيذ شبكة طرق رئيسية بطول 153 كيلومتراً لتسهيل نقل المعدات والمحاصيل من قلب الصحراء إلى الأسواق.
خريطة زراعية جديدة.. حزام أخضر خارج الوادي الضيق
ويمثل هذا المشروع حجر الزاوية في خطة التوسع الأفقي التي تنفذها الدولة، فهو يتكامل مع مشروعات عملاقة أخرى مثل "الدلتا الجديدة" (2.2 مليون فدان) ومشروعات سيناء والمنيا.
والهدف ليس فقط الزراعة، بل إنشاء مجتمعات عمرانية مستقرة وجاذبة للسكان في المناطق الحدودية، وتوفير آلاف فرص العمل للشباب، وتحويل جنوب الصحراء الغربية إلى "مركز إنتاج عالمي" يعتمد على التكنولوجيا الحديثة.
ومع اكتمال مراحل المشروع، سيتشكل وادٍ زراعي جديد يربط بين الداخلة وشرق العوينات، ليعيد رسم خريطة العمران والإنتاج في مصر، ويؤكد أن الإرادة المصرية قادرة على تحويل المستحيل إلى واقع أخضر يضمن مستقبل الأجيال القادمة.
